ترتكز رؤية اليونسكو للثقافة على أساس أن جميع الثقافات تشكل جزءاً لا يتجزأ من التراث المشترك للإنسانية، وأن الذاتية الثقافية لكل شعب تتجدد وتثرى من خلال الاتصال بتراث الشعوب الأخرى، وأنها تذبل وتموت عندما تفرض عليها العزلة ( توصيات المؤتمر الحكومي الدولي للسياسات الثقافية ـ المكسيك ـ 1982). كما ترتكز أيضاً على احترام كل الثقافات على قدم المساواة، والتأكيد على الطابع الأساسي والحيوي للذاتية أو الهوية الثقافية للمجتمعات والشعوب, وعلاقة هذه الهوية الثقافية الخاصة بالثقافات الأخرى، وبالتعاون الدوليّ.

وتتضمن برامج المنظمة في هذا الميدان مشروعات تهدف إلى صيانة التراث الثقافي بشتىّ أشكاله وصوره، كما تتضمن أيضاً مبادرات لتعزيز التفاعل المثمر بين الثقافات، وتأصيل القيم الثقافية، واحترام التنوع الثقافي، كما يتجلى في مختلف أشكال الإبداع الفكري والفني. بالإضافة إلى التأكيد على دور الثقافة في التنمية على اعتبار أن الإنسان هو محول التنمية وصانعها، ومن ثم ينبغي الاهتمام بتنمية إبداعه، وملكاته، وقدراته؛ ذلك أن هذا هو أساس النهوض به وتأكيد إنسانيته، وتعزيزها.

ولعله من المفيد أن نلقى نظرة سريعة على ما تم في هذا المجال منذ "إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي" الذي أعتمده المؤتمر العام لليونسكو في دورته الرابعة التي عقدت عام 1966 في ذكرى مرور 20 عاماً على إنشاء منظمة اليونسكو. وقد تضمن هذا الإعلان من بين ما تضمنه من مبادىء، التركيز على:

أن لكل ثقافة قيمة ومكانة ينبغي احترامها، والحفاظ عليها، وأن لكل شعب حق، وعليه واجب، تطوير ثقاته، وأن كل الحضارات بتنوعها وتباينها، وبالتأثير المتبادل الذي يمارسه بعضها على البعض الآخر، تشكل جزءاً من تراث الإنسانية المشترك.

ومنذ ذلك الإعلان، تعمل المنظمة على تأكيد احترام التنوع الثقافي وتطوير العلاقات بين الشعوب ومساعداتها على أن تتفهم على نحو أفضل الأنماط الخاصة بحياة كل منها، وأنه لكل إنسان؛ ولك شعب، الانتفاع بالمعرفة والتمتع بآداب وفنون كل الشعوب.

وقد أدت الاجتماعات العديدة التي عقدتها اليونسكو إلى تعميق مفهوم السياسات الثقافية وغاياتها، وكان أهم هذه الاجتماعات اجتماع فينسيا (إيطاليا) عام 1971 باعتباره أول اجتماع على المستوى العالمي يعقد لدراسة مسائل تتعلق بالثقافة، فقد درس المجتمعون موضوعات عدة، كما ناقشوا عدة مشكلات فكرية، لا سيما المشكلات الخاصة بتحديد مفهوم الثقافة والحق في الثقافة، والتنمية الثقافية، وأوصى المجتمعون منظمة اليونسكو بأن تعقد اجتماعات أخرى لمواصلة بحث هذه المسائل وغيرها مما أثير في هذا الاجتماع مثل موضوعات الانتفاع الحر الديمقراطي بالثقافة واحترام جميع الثقافات دون تمييز. وقد تلا هذا الاجتماع اجتماعات أخرى مثل اجتماع (هلسنكي 1972) واجتماع (جاركاتا 1973) واجتماع (أكرا 1975) واجتماع (بوجوتا 1978) واجتماع (استوكهولم 1998) وغيرها من الاجتماعات.

وكانت نتيجة توصيات ونتائج هذه الاجتماعات أن نفذت حكومات عديدة سياسات ثقافية على مستويات مختلفة، بعضها عنى أساساً بتنمية الفنون وصوت التراث الوطني. وتطورت وتعددت ممارسات الدول في هذا المجل وزاد الاهتمام بالتعبيرات الثقافية الأصلية والمأثورات الشعبية وبصيانة وحماية الآثار التي تعد تعبيراً عن التراث العالمي للإنسانية، وكذلك التراث الثقافي غير المادي.

وقد شهد التعاون الثقافي ازدهاراً سريعاً على الصعيد الدولي، كان من أهم نتائجه أن عقدت اتفاقات دولية لتعزيز التعاون الدولي، مثل اتفاقية التراث الثقافي والطبيعي (1972)، كما اتخذت عدة تدابير من أجل صون التراث الثقافي لمختلف البلاد مثل اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي.

وقد شهد التعاون الثقافي ازدهاراً سريعاً على الصعيد الدولي، كان من أهم نتائجه أن عقدت اتفاقات دولية لتعزيز التعاون الدولي، مثل اتفاقية التراث الثقافي والطبيعي (1972)، كما اتخذت عدة تدابير من أجل صوت التراث الثقافي لمختلف البلاد مثل اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي (2003) ومن أجل عودة الآثار المنقولة إلى بلادها الأصلية مثل اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية في حالة قيام النزاع المسلح، واتفاقية حظر نقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، واتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي وغيرها من التوصيات والأعمال التقنينية التي بادرت اليونسكو بتجميع الرأي العالمي حوليها.

كما تعاونت اليونسكو أيضاً من الدول الأعضاء في وضع برنامج للعمل الثقافي، ولعل أبرز أعمالها حملات دولية من أجل إنقاذ تراث البشرية من الآثار المادية والمأثورات غير المادية، والمواقع التاريخية الوطنية وتنظيم الاحتفالات الثقافية وإجراء دراسات عديدة في المجال الثقافي، كما أنشأت الصندوق الدولي لتعزيز الثقافة الذي قام بدعم مشروعات عديدة في هذا المجال.

وينبغي لنا نتوقف وقفه خاصة عندما التقى في عام 1982 خمسون وزيراً للثقافة، ووفود ذات مستوى عال في المكسيك، للتحاور حول السياسات الثقافية على مدى خمسة عشر يوماً، لما يمثله هذا اللقاء من أهمية خاصة فيما يتصل بموضوعنا. كان من أهم الموضوعات التي ناقشها المؤتمر ضرورة التوصل على حل المشكلات التي تواجهها الثقافة في العالم ومد جسور سليمة لتعاون ثقافي دولي يحفظ لك شعب ذاتيته ويثرى خبراته وتجاربه وضرورة التأكيد على التنمية الثقافية والعمل على إيجاد أفكار جديدة للارتقاء بها والحفاظ على التراث وتشجيع الخلف والابتكار وحركة التأليف والنشر ولقد أتاح المؤتمر لممثل الدول جميعاً فرصة استعراض خبراتهم المكتسبة فيما يتعلق بالسياسات والممارسات في مجال الثقافة. ودرس المؤتمر عدة قضايا فكرية أساسية من أهمها الذاتية الثقافية، والثقافة والديمقراطية، وصون التراث الثقافي وتنميته، والتعاون الثقافي الدولي.

ولقد أكد المدير العام لليونسكو آنذاك السيد/ أحمد مختار امبو في كلمته أمام المؤتمر على:- أهمية مفهوم الذاتية الثقافية بوصفه سلاحاً من أسلحة الشعوب للحفاظ على كرامتها، وأشار إلى أهمية البعد الثقافي في جميع عمليات التنمية وأكد على أهمية الثقافة في حياة كل شعب، فالثقافة تعنى العمل على تحقيق الديمقراطية والحرية، حرية الإنسان وحرية الآخرين كذلك ينبغي تشجيع الخلق والابتكار.

وقال مدير عام اليونسكو أن الطريق إلى التعرف على التراث الثقافي لشعب ما هو أعمال فنانيه ومهندسيه وموسيقيه وكتابه وعلمائه وألوان الإبداع الفكرية والمادية التي تنبع من روح الشعب وتعطيه وهويته وذاتيته. كما أشار إلى ظروف العصر التي تؤدي إلى تأثير الثقافات بعضها في بعض، وضرورة مراعاة أن تسود علاقات جديدة تتيح للشعوب أن تدرك ما تقدمه كل ثقافة من ثقافاتها من إسهام لا غنى عنه لمستقبل الإنسانية، وأن تدرك أن كلاً منها يمتلك جزءاً من الحقيقة الضرورية لتقدم البشر جميعاً وسعادتهم.

وقد أكدت المناقشات المفتوحة التي دارت أثناء المؤتمر على أهمية دور الاتصال في هذا المجال؛ فوسائل الإعلام بمقدورها أن تعبر عن الذاتية الثقافية للشعوب وأن تؤثر فيها ولن توجد سياسة ثقافية بدون سياسة ملائمة للاتصال تشمل حرية الإعلام والتعبير والنشر.

وأكد الأعضاء على أهمية إجراء البحوث في مجال السياسات الثقافية وتدريب العاملين في مجالات صون التراث الثقافي وإحيائه وأن تبذل الدول قصارى جهدها من أجل تخصيص نسبة مئوية من ميزانياتها لنشر الأنشطة الثقافية وتنميتها، وضرورة اتخاذ خطوات إيجابية لإعادة الممتلكات الثقافية إلى بلادها الأصلية والعمل على تبادل الخبرات على المستويات الوطنية والدولية في مجالات الثقافة المختلفة، وأن يعامل الإنسان على أنه محور التنمية وليس على أنه منتفع بالأنشطة الثقافية فقط، وأن تركز الدول على البعد الثقافي للتنمية، وضرورة إجراء حوار متوازن بين الثقافات يؤدى على قرارا السلام العالمي، وأن يتم تبادل المصنفات الفنية بين الدول، على أساس أن التبادل الثقافي يعد عاملاً أساسيا؟ً من عوامل التقارب بين الشعوب، خاصة إذا كان يقوم على أساس الاعتراف بكل الثقافات على قدم المساواة، وعلى روح التسامح المتبادل. وأنه لكي يصبح الاعتراف بالتنوع الثقافي والمساواة بين كل الثقافات أمراً واقعاً، وحتى يمكن للتعاون الثقافي أن ينهض بالدور المنوط به من أجل السعي إلى تحقيق سلام دائم قائم على المساواة والاحترام المتبادل، فقد اقرّ هذا المؤتمر الدولي الكبير إصدار إعلان عالمي للسياسات الثقافية يمثل في حقيقته دعوة ومنهجاً للدول للإقتداء به؛ ذلك أنه أتضح للمجتمع الدولي أن السبيل الوحيد للنهوض بالثقافة لن يكون ممكنا إلا بالاهتمام بوضع سياسات ثقافية تعمل على إحداث تنمية ثقافية شاملة تقوم أساساً على احترام التراث الثقافي للإنسانية عامة، واحترام الذاتيات (الهويّات) الثقافية، خاصة وانه لا يمكن الفصل بين الذاتية (الهوية) الثقافية والتنوع الثقافي؛ إذ أن الذاتية (الهوية) الثقافية هي المجال الذي تحيا فيه الثقافة كحقيقة ذاتية، وتعي فيها الجماعة نفسها بوصفها ذاتاً، وهو ما يعنى النظر إلى الثقافة على أنها وحدة متكاملة مستمرة عبر الزمن.

وفيما يلي بعض ما جاء في هذا الإعلان الذي صدر في السادس من أغسطس عام 1982. مما يتصل بموضوعنا:-

لقد شهد العالم تحولات عميقة الغور خلال السنوات الأخيرة، وأسفر تقدم العلم والتكنولوجيا عن تغيير مكانة الإنسان في هذا العالم، وعن تغيير طبيعة علاقاته الاجتماعية. وتلعب التربية والثقافة، اللذان اتسع مدلولهما ومداهما بدرجة بالغة، دوراً أساسياً في تحقيق التنمية الأصلية للفرد وللمجتمع في وقت معاً.

وعلى الرغم من تزايد فرص الحوار في عصرنا فإن على مجتمع الأمم أن يواجه كذلك سلسلة من الصعوبات الاقتصادية وتفاوتا يتفاقم بين الأمم، ومنازعات شتى وتوترات خطيرة تهدد السلام والأمن.

ومن أجل ذلك تدعو الحاجة ـ أكثر من أي وقت مضى ـ إلى إرساء تعاون أوثق عرى بين الأمم، لضمان الاحترام لحقوق الآخرين. ولكفالة ممارسة الحريات الأساسية للأفراد وللشعوب وحق الشعوب في تقرير مصيرها. كذلك تدعو الحاجة ـ أكثر من أي وقت مضى ـ لأن نبنى في عقول البشر "حصون السلام" التي لا يمكن تشييدها كما يؤكد الميثاق التأسيسي لليونسكو إلا عن طريق التربية والعلم والثقافة بوجه خاص.

ولقد صح عزم المجتمع الدولي، باجتماعه في مدينة (المكسيك) بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي بشأن السياسات الثقافية، على أن يسهم بصورة إيجابية في تحقيق التقارب بين الشعوب وفي التوصل إلى مزيد من التفاهم بين البشر.

وبناء على ذلك، يعرب المؤتمر عن إيمانه بتطابق الأهداف الثقافية والروحية إيمانه بتطابق الأهداف الثقافية والروحية العليا للإنسانية، ويوافق على ما يلي:-

-   أن الثقافة، بمعناها الواسع، يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جماع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات.

-   وإن الثقافة هن التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته، وهي التي تجعل منا كائنات تتميز بالإنسانية المتمثلة في العقلانية والقدرة على انقد والالتزام الأخلاقي، وعن طريقها نهتدي إلى القيم ونمارس الاختيار. وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه، والتعرف على ذاته كمشروع غير مكتمل، وإلى إعادة النظر في إنجازاته والبحث دون توان عن مدلولات جديدة وإبداع أعمال يتفوق فيها على نفسه.

وتأسيساً على ما تقدم، يؤكد المؤتمر كذلك رسمياً المبادىء التالية التي ينبغي أن تحكم السياسات الثقافية.

(( الذاتية الثقافية))

1- لكل ثقافة قيمها الفريدة التي لا بديل عنها، ذلك لأن تراث كل شعب وأشكال التعبير الخاصة به هي أمضى وسائله للإفصاح عن وجوده في هذا العالم.

2- وهكذا يسهم تأكيد الذاتية الثقافية في تحرير الشعوب: بينما تشكل السيطرة: على اختلاف أشكالها، إنكاراً لها وانتقاصاً منها.

3-   إن الذاتية الثقافية هي ثروة حافزة تزيد من فرص ازدهار الجنس البشري وهي التي تدفع كل الشعوب والجماعات إلى الاغتراف من معين ماضيها، وتقبل الإسهامات الخارجية التي تتواءم مع سماتها المتميزة، والاستمرار على هذا النحو في تقديم إبداعها.

4- تشكل جميع الثقافات جزءاً لا يتجزأ من التراث المشترك للإنسانية. وتتحدد الذاتية الثقافية لكل شعب وتثرى من خلال الاتصال بتراث الشعوب الأخرى وقيمها. فالثقافة حوار، وتبادل للأفكار والخبرات وتقدير للقيم والتقاليد الأخرى. وهي تذبل وتموت عندما تفرض عليها العزلة.

5- لا تفرض القيم العالمية، بصورة مجردة، من جانب ثقافة بعينها؛ ولكنها تنبثق من خبرات شعوب العالم جمعاء وتؤكد ذاتية كل شعب منها. ولا سبيل إلى الفصل بين الذاتية الثقافية والتعدد الثقافي.

6-   إن السمات الذاتية المتميزة لا تحول دون التقاء الشعوب حول القيم العالمية التي توحد بينها بل أنها تشجع عليه. والاعتراف بوجود ذاتيات ثقافية متعددة هو لحمة التنوع الثقافي وسداه.

7-   يرى المجتمع الدولي أن من واجبه أن يسهر على الحفاظ على الذاتية الثقافية لكل شعب وعلى الدفاع عنها.

8- يستلزم هذا كله سياسة ثقافية تكفل حماية ذاتية كل شعب وتراثه الثقافي وتشجيعها وإثر أنهما. والنظر إلى الأقليات الثقافية وإلى ثقافات العالم الأخرى بعين الاحترام والتقدير الكاملين؛ إذ أن إهمال ثقافة أي مجموعة أو تدميرها ينطوي على إفقار للبشرية جمعاء.

9- ينبغي أن يعترف لكل الثقافات بالمساواة في إطار الكرامة؛ كما ينبغي أن يُغترف لكل شعب وكل مجتمع ثقافي بحقه في تأكيد ذاتيته الثقافية وفي صونها وكفالة الاحترام الواجب لها.

ولقد توج كل ذلك بما انتهت إليه اليونسكو خلال السنوات الأخيرة من إنجاز اتفاقيتين مهمتين دخلت أولاهما حيز التنفيذ بعد أن صادقت عليها ما يزيد على خمسين دولة وهي الاتفاقية الخاصة بحماية التراث الثقافي غير المادي، وكان المؤتمر العام لليونسكو قد أقرها عام 2003م ويرد في ديباجة الاتفاقية ما يلي:-

وبالنظر إلى أهمية التراث الثقافي غير المادي بوصفه بوتقة للتنوع الثقافي وعاملاً يضمن التنمية المستدامة، ووفقاً لما أكدته توصية اليونسكو بشأن الثقافي لعام 2001، وإعلان اسطنبول لعام 2002 المعتمد في اجتماع المائدة المستديرة لوزراء الثقافة، وبالنظر إلى الترابط الحميم بين التراث الثقافي غير المادي الثقافي والطبيعي...، وإذ يلاحظ أن عمليتي العولمة والتحول الاجتماعي، إلى جانب ما توفراته من ظروف مساعدة على إقامة حوار متجدد فيما بين الجماعات فإنهما، شأنهما شأن ظواهر التعصب، تعرضان التراث الثقافي غير المادي لأخطار التدهور والزوال والتدمير، ولا سيما بسبب الافتقار إلى الموارد اللازمة لصون هذا التراث..،

وإذ يعترف بأن الجماعات، وخاصة جماعات السكان الأصليين، والمجموعات، وأحياناً الأفراد يضطلعون بدور هام في إنتاج التراث الثقافي غير المادي والمحافظة عليه، وصيانته، وإبداعه من جديد، ومن ثم يسهمون في إثراء التنوع الثقافي والإبداع البشري..،

ويذكر ببرامج اليونسكو الخاصة بالتراث الثقافي غير المادي لا سيما إعلان روائع التراث الشفاهي وغير المادي للبشرية...

وتأتي المادة الأولى من الاتفاقية وهي الخاصة بالأهداف على هذا النحو،

تسعى هذه الاتفاقية إلى تحقيق الأهداف التالية:

(أ‌)                صون التراث الثقافي غير المادي،

(ب‌)           احترام التراث الثقافي غير المادي للجماع والمجموعات المعنية والأفراد المعنيين،

(ج)   التوعية على الصعيد المحلي والوطني والدولي بأهمية التراث الثقافي غيرا لمادي وأهمية التقدير المتبادل لهذا التراث،

(د)    التعاون الدولي والمساعدة الدولية.

أما الاتفاقية الثانية وهي الخاصة بحماية وتعزيز أشكال التعبير الثقافي التي تمت الموافقة عليها في المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثالثة والثلاثين (عام 2005م)، والمعروضة الآن على الدول الأعضاء في اليونسكو لاتخاذ الإجراءات القانونية للموافقة عليها، وفقاً للأعراف الدستورية المعمول بها في كل دولة، فقد نصت على ما يلي:-


 

الديباجة

إن المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، المنعقد في باريس من .. إلى.. في دورته..،

-        إذ يؤكد أن التنوع الثقافي هو سمة مميزة للبشرية،

-        ويدرك أن التنوع الثقافي يشكل تراثا مشتركاً للبشرية، وأنه ينبغي إعزازه والمحافظة عليه لفائدة الجميع،

-   ويضع في اعتباره أن التنوع الثقافي يخلق عالماً غنياً ومتنوعاً يتسع فيه نطاق الخيارات المتاحة وتتعزز فيه الطاقات البشرية والقيم الإنسانية، وأنه يشكل من ثم ركيزة أساسية للتنمية المستدامة للمجتمعات والشعوب والأمم،

-   ويذكّر بأن التنوع الثقافي، الذي يزدهر في رحاب الديمقراطية والتسامح والعدالة الاجتماعية والاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات، لا غنى عنه للسلام والأمن على الصعيد المحلي والوطني والدولي،

-   ويقدّر أهمية التنوع الثقافي للإعمال الكامل الحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي صكوك أخرى معترف بها على الصعيد العالمي،

-   وينوه بضرورة إدماج الثقافة كعنصر استراتيجي في السياسات الإنمائية الوطنية والدولية في جهود التعاون الإنمائي الدولي، على أن يراعى في ذلك أيضاً إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية (2000) الذي يركّز بصفة خاصة على القضاء على الفقر,

-   ويضع في اعتباره أن الثقافة تتخذ أشكالا مختلفة عبر الزمان والمكان، وأن هذا التنوع يتجلى في تفرّد الهويات وأشكال التعبير الثقافي للشعوب والمجتمعات التي تتكون منها البشرية،

-        ويدرك أن التنوع الثقافي يعززه التداول الحر للأفكار وتغذية المبادلات والتفاعلات المستمرة بين الثقافات،

-   ويؤكد مجدداً على أن حرية التفكير والتعبير والإعلام، وتنوع وسائل الإعلام، يكفلان ازدهار أشكال التعبير الثقافي داخل المجتمعات،

-   ويقر بأن تنوع أشكال التعبير الثقافي، بما فيها الأشكال التقليدية للتعبير الثقافي، يعد عاملاً هاما في تمكين الأفراد والشعوب من التعبير عن أفكارهم وقيمهم وتشاطرها مع الآخرين،

-   ويذكر أن التنوع اللغوي هو عنصر أساسي من عناصر التنوع الثقافي، ويؤكّد مجدداً على الدور الأساسي الذي يؤديه التعليم في حماية وتعزيز أشكال التعبير الثقافي،

-   ويضع في اعتباره الأهمية التي تتسم بها حيوية الثقافات، بما في ذلك بالنسبة للأشخاص المنتمين إلى الأقليات والشعوب الأصلية، والتي تتجلى في تمتعهم بحرية إبداع أشكال التعبير الثقافي التقليدية الخاصة بهم، ونشرها وتوزيعها والوصول إليها، كي ينتفعوا بها في تحقيق تنميتهم،

-   وينوّه بالدور الجوهري للتفاعل والإبداع الثقافيين، اللذين يغذيان ويحددان أشكال التعبير الثقافي، ويعززان الدور الذي يؤديه العاملون في مجال التنمية الثقافية من أجل تقدم المجتمع برمّته،

-        ويقر بأهمية حقوق الملكية الفكرية في مساندة المشاركين في الإبداع الثقافي،

-   واقتناعاً منه بأن الأنشطة والسلع والخدمات الثقافية تتسم بطبيعة مزدوجة، اقتصادية وثقافية، بوصفها حاملة للهويات والقيم والدلالات، وبأنها يجب ألا تعامل من ثم على أنها ذات قيمة تجارية فحسب،

-   وإذ يلاحظ أن عمليات العولمة، التي يسرّها التطور السريع لتكنولوجيات المعلومات والاتصال، لئن كانت تخلف ظروفاً لم يسبق لها مثيل لتعزيز التفاعل بين الثقافات، فهي تشكل أيضاً تحدياً يواجه التنوع الثقافي، وخاصة بالنظر إلى ما قد تولده من صور اختلال التوازن بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة،

-   ويضع في اعتباره المهمة المحددة المسندة إلى اليونسكو والمتمثلة في ضمان احترام تنوع الثقافات والتوصية بعقد الاتفاقات الدولية التي تراها ضرورية لتسهيل حرية تداول الأفكار عن طريق الكلمة والصورة،

-   ويشير إلى أحكام الصكوك الدولية التي اعتمدتها اليونسكو فيما يتعلق بالتنوع الثقافي وممارسة الحقوق الثقافية، ولا سيما الإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي لعام 2001،

يعتمد هذه الاتفاقية في هذا اليوم الموافق..


 

أولاً- الأهداف والمبادئ التوجيهية

المادة 1- الأهداف

تتمثل أهداف هذه الاتفاقية فيما يلي:

(أ‌)    حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي؛

(ب)إيجاد الظروف التي تكفل ازدهار الثقافات وتفاعلها تفاعلاً حراً تُثري من خلاله بعضها بعضاً؛

(ج) تشجيع الحوار بين الثقافات لضمان قيام مبادلات ثقافية أوسع نطاقاً وأكثر توازناً في العالم دعماً للاحترام بين الثقافات وإشاعة لثقافة السلام؛

(د) تعزيز التواصل الثقافي يهدف تنمية التفاعل بين الثقافات بروح من الحرص على مد الجسور بين الشعوب؛

(هـ) تشجيع احترام تنوع أشكال التعبير الثقافي وبزيادة الوعي بقيمته على المستوى المحلي والوطني والدولي.

(و) التأكيد على أهمية الصلة بين الثقافة والتنمية بالنسبة لجميع البلدان، وبالأخص للبلدان النامية، ودعم التدابير المتخذة على الصعيدين الوطني والدولي لضمان الاعتراف بالقيمة الحقيقية لهذه الصلة؛

(ز) الاعتراف بالطبيعة المتميزة للأنشطة والسلع والخدمات الثقافية بوصفها حاملة للهويات والقيم والدلالات؛

(ح) التأكيد على حق الدول السيادي في مواصلة واعتماد وتنفيذ السياسات والتدابير التي تراها ملائمة لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي عل أراضيها؛

(ط) توطيد التعاون والتضامن الدوليين بروح من الشراكة، لا سيما من أجل النهوض بقدرات البلدان النامية على حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي.

المادة (2)- المبادئ التوجيهية

1-    مبدأ احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

إن التنوع الثقافي لن يتسنى حمايته وتعزيزه إلا إذا كفلت حقوق الإنسان والحريات الأساسية مثل حرية التعبير والإعلام والاتصال، وإلا إذا كفلت أيضا قدرة الأفراد على اختيار أشكال التعبير الثقافي. ولا يجوز لأحد التذرع بأحكام هذه الاتفاقية لانتهاك حقوق الإنسان والحريات الأساسية المكدسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو المكفولة بموجب القانون الدولي أو لتقليص نطاقها.

2-       مبدأ السيادة

تتمتع الدول الأطراف, وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، بحقها السيادي في اعتماد تدابير وسياسات لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي داخل أراضيها.

3-       مبدأ تساوى جميع الثقافات في الكرامة وفي الجدارة بالاحترام

تفترض حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي الاعتراف بان جميع الثقافات، بما فيها ثقافات الأشخاص المنتمين إلى الأقليات وثقافات الشعوب الأصلية، متساوية في الكرامة وفي الجدارة بالاحترام.

4-    مبدأ التضامن والتعاون الدوليين

ينبغي أن يستهدف التضامن والتعاون الدوليان تمكين البلدان، ولا سيما البلدان النامية، من استحداث وتعزيز وسائل التعبير الثقافي الخاصة بها، بما في ذلك صناعاتها الثقافية، الناشئة أو الراسخة، على الصعيد المحلي والوطني والدولي.

5-    مبدأ تكامل الجوانب الاقتصادية والثقافية للتنمية

لما كانت الثقافة واحداً من المحركات الرئيسية للتنمية، فإن الجوانب الثقافية للتنمية لا تقل أهمية عن جوانبها الاقتصادية، وللأفراد والشعوب حق أساسي في المشاركة فيها والتمتع بها.

6-    مبدأ التنمية المستدامة

يشكل التنوع الثقافي ثروة نفيسة للأفراد والمجتمعات. وتعد حماية التنوع الثقافي وتعزيزه وصونه شرطاً جوهرياً لتحقيق التنمية المستدامة لصالح الأجيال الحاضرة والمقبلة.

7-       مبدأ الانتفاع المنصف

إن الانتفاع المُصنف بطائفة غنية ومتنوعة من أشكال التعبير الثقافي الآتية من كل أنحاء العالم، وانتفاع الثقافات بوسائل التعبير والنشر، هما عاملان أساسيان للارتقاء بالتنوع الثقافي وتشجيع التفاهم.

 

8-   مبدأ الانفتاح والتوازن

ينبغي للدول، لدى اعتماد أي تدابير لدعم أشكال التعبير الثقافي، أن تسعى، بالصورة الملائمة، إلى تشجيع الانفتاح على الثقافات الأخرى في العالم، وأن تضمن اتفاق تلك التدابير مع الأهداف التي تتوخاها هذه الاتفاقية.

ثانياً ـ نطاق التطبيق

المادة 3ـ نطاق التطبيق

تطبق هذه الاتفاقية على ما تعتمده الأطراف من سياسات وتدابير تتعلق بحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي.

ثالثاً ـ التعاريف

المادة 4ـ التعاريف

لأغراض هذه الاتفاقية، تم الاتفاق على ما يلي:

1-    التنوع الثقافي

يقصد بعبارة "التنوع الثقافي" تعدد الأشكال التي تعبر بها الجماعات والمجتمعات عن ثقافتها وأشكال التعبير هذه يتم تناقلها داخل الجماعات والمجتمعات وفيما بينها.

ولا يتجلى التنوع الثقافي فقط من خلال تنوع أساليب التعبير عن التراث الثقافي للبشرية وإثرائه ونقله بواسطة أشكال التعبير الثقافي المتنوعة، بل يتجلى أيضاً من خلال تنوع أنماط إبداع أشكال التعبير الفني وإنتاجها ونشرها وتوزيعها والتمتع بها، أيا كانت الوسائل والتكنولوجيات المستخدمة في ذلك.

ومن المفيد هنا تشير إلى مجموعة من الخطوات التي اتخذتها اليونسكو من أجل التأكيد على احترام التنوع الثقافي، وصون الخصوصية الثقافية، ذلك أن اليونسكو سيقوم بمساعدة الدول الأعضاء (خاصة البلاد الأقل نموا، والبلاد التي تعيش أوضاع ما بعد النزاع)على حماية تراثها الثقافي، وإحيائه، خاصة التراث الثقافي غير المادي، وعلى تعزيز قدراتها من آجل إعداد وتنفيذ أنشطة فعالة ترمي إلى صون تراثها الثقافي غير المادي. وستركز الأنشطة في مجال بناء القدرات على تعزيز وتجديد أنظمة نقل التراث الثقافي غير المادي، وبوجه أخص إلى الشباب، ودعم ممارسات النساء الحاملات للتراث الثقافي غير المادي، وإبراز دور التراث الثقافي غير المادي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما سيتم تقديم مساعدة تقنية في مجال تدابير الصون (بما في ذلك مشروعات خطط عمل خاصة بإعلان "روائع التراث الشفهي وغير المادي للإنسانية" لعام 2005)، وانتاج أدلة موضوعية بشأن صون التراث الثقافي غير المادي، وجرد وجمع وتحليل ونشر أفضل الممارسات المكملة للتدابير الخاصة بالصون لدى الدول الأعضاء. وعلى أساس الخبرة المكتسبة من خلال برنامج "الروائع" ستقدم المساعدة إلى الدول الأعضاء من أجل إعداد تدابير خاصة بالصون في مجالات التراث الثقافي غير المادي الواردة في الاتفاقية (الممارسات الاجتماعية، والطقوس والاحتفالات، والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، والمهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية، والتقاليد وأشكال التعبير الشفهي، والموسيقي والرقص والمسرح التقليدي، وصون اللغات المهددة بالاندثار). وسيتم تحديث نظام لإدارة المعلومات بشأن تنفيذ الاتفاقية.

وكذلك تطوير القدرات لإعداد قوائم حصر (قواعد بيانات) في الدول الأعضاء، وتشجيع نقل التراث الثقافي غير المادي من جيل إلى جيل، وتدعيم المشاركة مع القطاع الخاص والمؤسسات التربوية والبحثية ومؤسسات المجتمع المدني لتسجيل الممتلكات الثقافية المهددة بالخطر، توثيقها وصونها والتعريف بها على صعيد المجتمع المحلي والوطني والعالمي وتركز اليونسكو في استراتيجيتها على العلاقة بين التنوع الثقافي والتنمية، وتولي أهمية كبيرة للخصوصية الثقافية وما تتضمنه من هوية مميزة، والتأكيد على العلاقة القائمة بين التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات في سياق العولمة الجديد، مؤكدة على متطلبات الحوار بين الثقافات وطرقه والإمكانات التي ينطوي عليها من أجل منع النزاع وتخفيف التوتر والعيش في سلام، خاصة في مجال الحوار بين الأديان.

هذه محاولة سريعة لرصد أهم الجهود التي بذلتها اليونسكو، وتبذلها من أجل احترام الخصوصية الثقافية للجماعات والشعوب، باعتبار أن هذه الخصوصيات إثراء للثقافة الإنسانية عامة، ويضيق المقام بالطبع عن إيراد المشاريع المتعددة في هذا المجال، والتي يمكن الرجوع إليها في موقع اليونسكو على الإنترنت.