|
سلسلة محاضرات حوار الحضارات (2)
خطابات عربية وغربية فى حوار الحضارات تحرير نادية محمود مصطفى علا أبو زيد
مقدمة انعقد الموسم الثقافي الثاني لبرنامج حوار الحضارات (سبتمبر2002 – يونيه 2003م ) فى ظل سياق إقليمي وعالمي متدهور، طرح السؤال بقوة عن مصداقية الحديث عن حوار حضاري أو حوار بين الحضارات أو الثقافات أو الأديان، فى نفس الوقت الذي تتصاعد فيه لغة القوة العسكرية الغاشمة، سواء من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل ضد عالم المسلمين . فمع بداية الموسم الثاني لمحاضرات برنامج حوار الحضارات فى سبتمبر 2002م، كان عام قد مضى على أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبداية ما يسمى الحرب ضد الإرهاب، وكانت الانتفاضة الفلسطينية تدخل عامها الثالث، كما أخذت طبول الحرب ضد العراق تدق بتسارع شديد حتى وقع العدوان على العراق فى مارس 2003، وكانت الأسئلة تتكرر عما يحدث فى أفغانستان منذ سقوط طالبان ، كما أعلنت وسائل " الدبلوماسية العامة " التى انتهجتها الولايات المتحدة عن فشلها ، وكشفت مبادرة باول ونظائرها عن الديمقراطية والتغيير المنشود فى المنطقة عن أهداف الإستراتيجية الأمريكية الحقيقية بعد احتلال العراق، وتوالى التساؤل عن مصير عملية التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وخارطة الطريق أو عن مصير النظام العربي برمته . وخلال الشهور الممتدة حتى نهاية الموسم الثقافي الثاني فى يونيه 2003م، وحتى إتمام تحرير أعمال هذا الموسم فى نهاية 2003م تراكمت المزيد من الوقائع والأحداث والتطورات التى لم يد يكف معها التساؤل عن مآل ومصير هذا الحوار حيث تعددت المقولات عن أكذوبة هذا الحوار فى ظل احتلال العرق، وفشل خارطة الطريق، وبناء إسرائيل الجدار الفاصل العنصري، وفى ظل تنامي الإجراءات المضادة للحقوق المدنية والدينية لمسلمي الولايات المتحدة وأوروبا، أي فى ظل تسارع آليات وأدوات ما يسمى الحرب العالمية ضد الإرهاب و التى كانت ساحتها الأساسية عالم المسلمين. وفى المقابل لم تنقطع طوال الشهور الممتدة التى تزيد على العام، الملتقيات والجهود الخاصة بالحوار سواء على المستويات الوطنية والإقليمية أو العالمية، استكمالاً بل وامتداداً للسلسلة الأولى من هذه الملتقيات التى تم تدشينها عقب الحادي عشر من سبتمبر، ولقد شارك القائمون على برنامج حوار الحضارات فى بعض من هذه الملتقيات، ناهيك عن العديد منها الذي تم رصده ومحاولة التواصل مع مخرجاته. ومن هنا، وعلى ضوء المقابلة بين زخم الوقائع والأحداث والتطورات على ساحة عالم المسلمين والتي تنضح جميعها بالأدلة على الصراع الذي يديره الغرب مع عالم المسلمين من ناحية، وبين زخم المؤتمرات والملتقيات العالمية والإقليمية والوطنية المتواترة والتي تنضح بخطابات المتجادلين حول جدوى إدارة حوار فعال ودوافعه من ناحية أخرى، وبرز السؤال التالي: ألم تقدم خبرات العامين المنصرمين منذ الحادي عشر من سبتمبر الدلالات الكافية حول ما إذا كانت الحالة القائمة من العلاقات بين عالم المسلمين وعالم الغرب هي حالة صراع حضاري أم صراع مصالح، وحول ما إذا كان الحوار مازال ممكناً أو زال قادراً على أن يساهم بفاعلية فى إدارة معضلات هذه العلاقات فى بداية القرن الواحد والعشرين؟ هذا وكانت محاضرات الموسم الثقافي الأول لبرنامج حوار الحضارات ( إبريل 2002 – يونيه 2002 ) قد تصدت لسؤال أساسي عن ماهية العلاقة بين الأبعاد الثقافية الحضارية والأبعاد الإستراتيجية فى الإستراتيجية الأمريكية تجاه الإسلام والمسلمين، حيث إن بروز وزن الأبعاد الثقافية الحضارية فى العلاقات الدولية منذ ما قبل الحادي عشر من سبتمبر، ومن بعده بدرجة أوضح، قد فرضت هذا السؤال على المتجادلين حول دوافع الدعوة إلى حوار حضارات و أهدافه فى ظل موازين القوى القائمة بين عالم المسلمين وعالم الغرب. ولقد قدم الكتاب الأول فى سلسلة محاضرات برنامج حوار الحضارات – والذي تضمن أعمال سلسلة محاضرات هذا الموسم الثقافي الأول – الضوء على أبعاد هذا الجدال. ومن ثم فإن الموسم الثقافي الثاني لبرنامج حوار الحضارات – وفى ظل السياق الإقليمي والعالمي الراهن – قد تصدى لسؤال آخر، عن إمكانيات استمرار حوار من عدمه وعن محددات فعالية هذا الحوار من ناحية ، وعن أبعاد الحوار الدائر حول بعض أهم القضايا الساخنة فى العلاقات بين عالم المسلمين وعالم الغرب من ناحية أخرى . وتحقيقاً لهذا الهدف وجه برنامج حوار الحضارات الدعوة لعدد من الخبراء والمختصين والمنتمين لاتجاهات فكرية وسياسية متنوعة فى محاولة لرسم خريطة الأفكار والآراء عن هذا الموضوع البازغ فى مجال الدراسات الحضارية. ولقد كان لكل ضيف مدخله للموضوع، والذي يتضح من عنوان محاضراته، وكانت البداية مع " مفكر حوار الحضارات " الأستاذ / السيد يسين مستشار مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام فى موضوع " قراءة نقدية فى خطابات حوار الحضارات "، ثم الأستاذ الدكتور / حسن حنفي الأستاذ المتفرغ بقسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة القاهرة فى موضوع " تقييم تجارب حوار الحضارات " , ثم الأستاذ الدكتور / عبد الحميد أبو سليمان رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالولايات المتحدة الأمريكية فى موضوع " قضية العنف : رؤية إسلامية " ، ثم الدكتور / محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام فى موضوع " مستجدات النظامين الدولي والعربي و حقوق الإنسان: ازدهار أم انكسار " ، ثم حلقة نقاش فى موضوع " فى قواعد وآليات تفعيل إدارة حوار الحضارات ", أخيراً الأستاذ الدكتور طه جابر العلوانى رئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية فى الولايات المتحدة الأمريكية فى موضوع " مستقبل العلاقة بين العالم الإسلامي والغربي " . وإذا كانت المحاضرات السابقة قدمت فرصة لحوار بيني داخلي فإن البرنامج اغتنم زيارة كل من جونتر مولاك ، مفوض وزير الخارجية الألماني لشؤون الحوار مع العالم الإسلامي، والبروفيسور / حون إسبوزيتو ، الأستاذ فى جامعة جورج تاون ومدير مركز التفاهم الإسلامي – المسيحي للقاهرة ، لتوجيه الدعوة إليهما لإلقاء محاضرة فى موضوع الموسم الثقافي . ومن ثم كانت المحاضرتان " أهمية الحوار مع العالم الإسلامي : رؤية ألمانية " ، و" مستقبل حوار الحضارات بعد الحرب على العراق " فرصة لإدارة " حوار مع الآخر " فى رحاب كلية الاقتصاد و العلوم السياسية. ونظراً لحرص برنامج حوار الحضارات على تقديم صورة حية للقاءات الموسم الثقافي فإن الكتاب يتضمن نشر نصوص المحاضرات ونصوص المداخلات والمناقشات ، وهو النهج الذي يترجم خبرة الحوار خلال هذه اللقاءات. ومن ناحية أخرى فإن القراءة المقارنة التراكمية لأعمال اللقاءات تساعد على استخلاص بعض أهم اتجاهات المناقشات وقضاياها. فرغم تبدل المحاضرين وتنوع توجهاتهم وتغير جانب على الأقل من الحضور من محاضرة على أخرى إلا أنه يبدو أن اتجاهات المناقشة اتسمت بالاستمرارية والتواصل عبر اللقاءات، وهى الاتجاهات حول أبعاد عامة للموضوع: مثل: جدوى الحوار ونظرية المؤامرة, والحوار الداخلي البيني والنقد الذاتي وأولويته بالمقارنة بالحوار مع الآخر, وآليات وقواعد تفعيل الحوار. ومن ناحية ثالثة تبلورت اتجاهات للمناقشة حول قضايا معينة وعلى رأسها قضية العنف, وقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفيما يلي تلخيص للمجموعتين من اتجاهات المناقشة: المجموعة الأولى: من أبعاد الحوار: الجدوى والشروط. [1] والقضية الرئيسية التى سيطرت على المناقشات التى جرت هي قضية جدوى الحوار. كما هو الحال دائماً انقسم الحضور بين رافضين للحوار مشككين فى جدواه من جانب، وبين مؤيدين له مؤكدين على أهميته القصوى من جانب أخر. أما المشككون فى جدوى الحوار ونقطة انطلاق هذا الفريق كانت أن موضوع حوار الحضارات برمته يعتبر موضوعاً مهرجانياً بدأ الاحتفاء به بصورة مفاجئة منذ التسعينات "كرد فعل" على نظرية صراع الحضارات لهانتنجتون, وأنه من ثم لا يعتبر موضوعاً أصيلاً ذا جدوى حقيقية. وأصحاب هذا الفريق ما زالوا يسوقون الحجج المعتاد الاستشهاد بها في موقف التشكيك في جدوى الحوار. فأولاً: هم يؤكدون أنه لا يمكن أن يكون الحوار بين الحضارات مجدياً في ظل غياب التكافؤ بين أطراف الحوار. فانعدام توازن القوى لابد وأن يفضي إلى وضع يملي فيه أحد الأطراف ما يريد ويبادر بالفعل في حين يرضخ الطرف الآخر ويقوم فقط بفعل الرد على المبادرة. وليس أدل على صحة هذا عند أصحاب هذا الفريق من أن الغرب هو الذي يضع أجندة الحوار ويحدد قضاياه وهي عادة تدور حول قضايا الحريات والحقوق الفردية خاصة حقوق المرأة, التعددية وضرورة احترامها, حرية الرأي والتعبير, عالمية حقوق الإنسان, التفسيرات الجامدة للشريعة الإسلامية,وهي قضايا تهم الغرب مباشرة وتستهدف صياغة الشرق على الشاكلة التي يريدها الغرب تحت حجة معالجة جذور الإرهاب الذي يهدد الحضارة الغربية في حين أن المعنى الحقيقي لقيمة التسامح – وهى القيمة التى يروج لها الغرب – هو احترام حق الآخر فى الاختلاف . ويرى هذا الفريق المتشكك والرافض أن أن حوار الحضارات ما هو غلا واجهة تخفى وراءها صراع المصالح. ومن هنا هم غير متفائلين حتى بالدعوة إلى الحوار والتفاهم و القبول بالتنوع والتي تأتى من بعض مفكري الغرب، وذلك أنها دعوة لا يمكن أن تثمر فى رأيهم، على المستوى الرسمي لأن هوى الإدارات الرسمية هو مع الصراع الذي خلاله تفرض مصالحها من خلال منطق القوة وليس الحوار . ويؤكد أصحاب هذا الفريق أن مجرد الدعوة إلى الحوار التى تأتى من الغرب لا يمكن أن تحوز بثقة الشرق وذلك فى ظل السياسيات الغربية التى تساند الظلم الواقع على الفلسطينيين والعراقيين إما بالمشاركة الفعلية أو بالصمت ، فهذا عندهم مناخ يؤدى إلى الصراع ولا يساعد على الحوار. أما الفريق المؤيد للحوار والمؤمن بجدواه: فينطلق من مسلمة أن العولمة حقيقة قائمة، وأن هذا الواقع يفرض التعايش وليس الصراع. وأن على الجميع أن يقبلوا هذا وبدلاً من أن يضيعوا الوقت والجهد فى إحباطات لن تجدي فعليهم أن يبحثوا عن أرضية مشتركة.. عن قضايا تغذى الحوار وتساعد على ازدهاره ونجاحه. وحتى يتحقق هذا هناك مسئولية تقع على عاتق طرفي الحوار المأمول. أما الغرب فعليه أن يغير من منحى سياساته الخارجية، وأن يتخلى عن منطق التحرك الأحادي على الساحة الدولية، وأن يتحمل مسئوليته فى تغيير الصورة السلبية عن الإسلام فى الغرب والتي تتحمل وسائل إعلامه جزءاً غير قليل من مسؤولية قيامها. أما الشرق فعليه أن يتخطى دور المتلقي السلبي. وعلى الجنبين واجب أن يحملوا هؤلاء داخل مجتمعاتهم ، الذين لا يؤمنون بجدوى الحوار، على التوجه هذه الوجهة. وعليهما أن يبحثا عن أساليب جديدة غير تقليدية للحوار بين الحضارات ربما أهمها الوصول إلى المجتمعات وتقليص القنوات الرسمية للحوار مثل حوار الأديان. هذا وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن رصد موقف فريق ثالث بين فريقي المشككين والمدافعين وهو الذي يرى أن الطرح العربي الإسلامي لموضوع حوار الحضارات هو طرح قديم وهو الطرح الأصيل، لأنه يبدأ من المصدر الأساسي وهو القرآن والسنة، وهو أساس من الأسس الإسلامية الأولى فى التعامل مع الشعوب الأخرى انطلاقاً من الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية، وفى المقابل فإن اليهودية فإن اليهودية ترفض أصلاً أي طرح للحوار سواء على مستوى الأديان أو الحضارات , كما أن الطرح الغربي الراهن ليس إلا طرحاً سياسياً لتحقيق أهداف سياسية , ومن ثم فإن الطرح الإسلامي الراهن لحوار الحضارات ليس إلا رد فعل بل طرح مفروض فرضاً من الغرب على الشرق عموماً وعلى العالم الإسلامي والعربي خصوصاً. وهذا الطرح الغربي – وهو تسييس للحضارات – هو أسوأ ما حدث للحضارات وللعلاقات بينها, حيث يجعلها موضوعاً وسبباً للحرب والصراع ، فى حين أن الطرح الأصيل لحوا الحضارات هو الطرح الإسلامي منذ بدايته مع الرسالة. ولهذا فيجب – فق هذا الفريق الثالث – الوعي للعلاقة بين السياسي والثقافي التى تتنامى فى الإستراتيجية الأمريكية بصفة خاصة والغربية بصفة عامة تجاه العالم العربي والإسلامي فى المرحلة الراهنة من تطور النظام الدولي. ويرتبط بالجدال حول جدوى الحوار من عدمه الجدال حول قضيتين بالغتي الأهمية وهما نظرية المؤامرة والنقد الذاتي. وعن نظرية المؤامرة فلق رأى البعض – وهم غالباً المتشككون فى جدوى الحوار – أن التشبث بها هام, فهي تفتح الأعين على ما حيك لنا فى الماضي ومن ثم تكون عوناً على إدراك ما يحاك لنا فى الحاضر, وتكون مؤشراً على ما سيحاك لنا فى المستقبل. أما البعض الآخر : فإنهم رفضوا تماماً تعليق كل إخفاقاتنا على شماعة نظرية المؤامرة, وأكدوا على أن تخلفنا وتبعيتنا ترجع لعدم السير فى طريق العقل والعلم والحرية والعدالة التى سار فيها الغرب فتقدم بعد طول تخلف. و يستطرد أصحاب هذا الفريق ليؤكدوا أن الإيمان بنظرية المؤامرة هذه يواكبه عادة رغبة مرضية فى تنزيه الذات. فالتأكيد دوماً على أننا كنا حضارة تعرف الحوار وتنفتح على الآخر فيه قدر غير قليل من التجاوز والمبالغة، فالشرق مارس هو أيضاً المد والسيطرة والهيمنة والصراع عندما كان له اليد العليا. فموضوع حوار الحضارات عند هذا الفريق هو موضوع حمل بأكثر مما يحتمل، فالأمر كله لا يعدو على مدار التاريخ أن يكون صراعاً على المصالح، يأخذ فى كل مرحلة تاريخية سمة محددة اقتصادية أو ثقافية أو عسكرية، ولكن المستمر هو أنه صراع ينجح فيه الأقوى فى حين يخسر الضعيف، بعض النظر عمن هو القوى ومن هو الضعيف، وبغض النظر عن موضوع الصراع وأدواته : عسكرية أو اقتصادية أو سياسية، وإن كان من الواضح والجلي الآن أن الأبعاد والأدوات الثقافية قد حققت قفزة للأمام لاعتبارات عديدة، بالمقارنة بما كانت عليه من قبل. وفى مقابل نظرية المؤامرة تظهر نظرية النقد الذاتي التى تستند إلى تأصيل ظاهرة الحوار الحضاري بالرجوع إلى الجذور الفكرية للخطابات العربية المتنوعة فى عصر النهضة، وإلى إشكاليات وقضايا التفاعل بين التيارات الإسلامية والليبرالية واليسارية العربية ومواقفها من الغرب . وتقوم هذه النظرية على تحديد أسس هذه التيارات الفكرية عند بدايتها ومتابعة تطورها وتقييمه. وإذا كانت منطلقات تقييمه هو موقف هذه التيارات من قضية الحداثة، وتفسير أسباب فشل المنطقة العربية فى إحداث التغيير المطلوب بأنه فشل فى تقبل نموذج الحداثة. لهذا اعتبر أن من أهم شروط الحوار الحضاري الناجح هو نقد العلمانية وتقديم رؤية نقدية للحداثة من ناحية ونقد التاريخ والفكر الإسلامي من ناحية أخرى. فهذا النقد مزدوج البعاد هو السبيل إلى اكتشاف منطقة القيم المشتركة العالمية بين الحضارات. ومما لا شك فيه أنه إذا كانت نظرية المؤامرة تواجه حججاً ومبررات ناقدة أو رافضة لمنطلقاتها فى رفض حوار الحضارات, فإن نظرية النقد الذاتي ذات التوجه الليبرالي تثير بدورها حججاً ومبررات ناقدة لمنطلقاتها نحو تحديد أهداف الحوار وغاياته وآلياته. ومن ثم تثور الأسئلة التالية: هل ننقد أنفسنا قرباً أم بعداً عن الحداثة أم عن نموذجنا الحضاري، وهل الحول – فى نظر التيار الليبرالي- هو سبيل أخر للنقل عن الغرب من جديد؟ هل نحتاج لنقد الذات من منطلقات ليبرالية فقط أم نحتاج أيضاً للدفاع عن المرجعية الإسلامية التى أضحت تتعرض لهجوم متسع النطاق؟ [ 2 ] والقضية الثانية هي قواعد وآليات تفعيل إدارة الحوار من جانب العرب والمسلمين وعلى النحو الذي يعالج مثالب المنهج الاعتذاري – الدفاعي ويتعامل مع القيود المفروضة من واقع العالم الإسلامي. ومن هذه القواعد: 1- الاهتمام بالحوار البيني ومنه الحوار السني – الشيعي والحوار الداخلي، فلقد ظهر اتجاه فى المناقشات يؤكد على ضرورة ألا يستأثر الحوار بين الحضارات على الاهتمام حيث إن هناك أهمية لقيام حوار فى الداخل بين الشعوب الإسلامية وبينها وبين حكوماتها، و كذلك حوار بين التيارات الفكرية والحركية المتنوعة. ورغم أن هناك توجساً من إمكانية نجاح مثل هذا الحوار، إلا أن المهتمين به يؤكدون أنه لابد من التعويل على عنصر الوقت لإنجاح هذا الحوار على المدى المتوسط والطويل. 2- المطلوب فى الحوار ليس الدفاع عن الأصل فقط و لكن إدراك أن الهجوم على الأصل – الإسلام – ليس إلا وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، ومن ثم ضرورة أن نتصدى لسيل تشويه صورة العرب والمسلمين فى كل القنوات الممكنة وبكل السبل المتاحة، وفق إستراتيجية مخططة للحركة المنظمة. 3- ومن أهم أسس هذه الإستراتيجية: نقد الذات أولاً، ثم العمل المؤسسي ومن خلال تنسيق الجهود بين المؤسسات العربية والإسلامية سعياً نحو تفعيل الموارد المادية البشرية المحدودة القادرة على الحوار بفعالية. 4- التنسيق وتوزيع الأدوار يجب ألا يقتصر على المؤسسات الرسمية ولكنه يجب أن يمتد إلى المستوى المدني والأكاديمي والشعبي، فالحوار الحضاري متشعب ومتعدد المستويات. فمن يحاور من وأين؟ هذا سؤال هام، يتوقف عليه تحديد أطراف الحوار وموضوعاته وأهدافه. والإجابة على هذا السؤال تمثل جوهر الإستراتيجية التى يلزم لوضعها وتنفيذها مؤسسة فاعلة تخطط وتنسق وتنفذ. 5- الحاجة إلى اجتهاد فكرى معاصر قوى وفاعل، لأن الإسلام وإن كان يتضمن تنظيرات ورؤى تأصيلية حول وحدة الإنسانية والاستخلاف والعمران والتوازن فى الكون وغيرها، إلا أن الممارسات فى تاريخ المسلمين وواقع المسلمين تثير أكثر من علامة استفهام حول الفجوة بين الأصل وبين الواقع مروراً بخبرة التاريخ. المجموعة الثانية: من قضايا الحوار: العنف، الديمقراطية وحقوق الإنسان: قضية العنف: جذورها، و أنماطها، وعواقبها، وسبل إدارتها 1- عن جذور العنف رأى اتجها أن جذور اللجوء إلى العنف لدى المسلمين، سوءا من جانب الراعي أو الرعية، ترجع للفصل بين الديني والفلسفي على نحو أفرز أزمة فى فكر الأمة الإسلامية يترتب على استحكامها اللجوء للعنف، وفى حين أشار اتجاه أخر إلى أن الغرب يرى أن العنف لدى المسلمين قضية هيكلية ترجع إلى النصوص القرآنية المحملة بكره الآخر والدعوة إلى قتاله، فإن اتجاهاً ثالثاً يرى كيف أن القراءة الكلية لنصوص القرآن وسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام تبين، عكس هذا الموقف الاستشراقي القديم والحديث على حد سواء، أن أسباب بروز الاتجاهات الراهنة الصراعية الحضارية ( ومن جانب المسلمين بصفة خاصة) ترجع إلى تموضع كل ثقافة حول العناصر المتطرفة التي تزعم تمثليها لتلك الثقافة وتمارس العنف ضد أصحاب الثقافات الأخرى, وهو الأمر الذي يؤدي بدوره إلى إشعال نيران الغضب لدى قطاع كبير من أبناء هذه الثقافات الأخرى, ومن ثم فإن منطق الفعل ورد الفعل يؤدي إلى الانزلاق إلى صراع الحضارات, بحيث أن فكرة صراع الحضارات لا تصبح أكذوبة بل هي خطر حقيقي. بعبارة أخرى يرى هذا الاتجاه أن صراع الحضارات مرض يرجع لإشكاليات فكرية ثقافية تقود إلى استخدام العنف المسلح ومن ثم تؤثر في طبيعة العلاقة بين الشعوب المنتمية إلى ثقافات مختلفة. ومن اعتراف هذا الاتجاه بأن هناك حالة ظلم على الشعوب الإسلامية إلا أنه يحذر من عواقب مسلك جماعات مسلحة متطرفة تسلك منهج العنف المتزامن ضد ثقافات مختلفة: روسية, هندوكية,إفريقية, على أساس أن هذا الوضع يهدد بفرض احتواء على الجماعات العربية والإسلامية. كما يحذر هذا الاتجاه من مخاطر النسبية الأخلاقية والنسبية الثقافية لدى بعض الثقافات التي تنكر شرعية الثقافات الأخرى أو تنكر جانب القيم المشتركة بين الثقافات, وهو الإنكار الذي يدعم التوجه نحو ا | ||||||||||||||||||||||