الديني والسياسي في الولايات

المتحدة الأمريكية: عرض مقارن  لأدبيات

إعداد: شيماء بهاء ا لدين

ماجدة إبراهيم

تمهيد:

قد يظن أن علاقة الديني بالسياسي أمر قد حسمه الفكر والممارسة السياسية الإنسانية منذ زمن، بيد أن إشكالية علاقة الديني بالسياسي تظل ملتبسة وحالة متجددة ولعل النظام السياسي والمجتمع الأمريكي في بنيته وحركته وعلاقاته الداخلية والخارجية أصدق شاهد وأوضح نموذج في هذا الصدد.

خلال هذا العرض المقارن السبعة كتب حديثه الإصدار حول الديني والسياسي في الولايات المتحدة الأمريكية تتجمع رؤى وتفسيرات مختلفة حول هذه العلاقة، لكن السمة الغالبة عليها جميعاً أن أحداً من هذه الكتب لا ينكر البتة علاقة الديني بالسياسي.

كما يؤكدون على أن تأثير الديني في السياسي في الولايات المتحدة من الثوابت السياسية والاجتماعية هناك، ومن ثم بند يؤثر على علاقاتها مع العالم العربي والإسلامي، لا سيما وأن أهم محاور رؤيتهم لنا وعنا هي الدعم المستمر لإسرائيل وضرورة تحويل العالم إلى اعتناق المسيحية الإيفانجليكية فضلاً عن المعاداة الكبيرة التي يكنها الأصوليون الأمريكان للعرب والمسلمين ومن ثم فكل ذلك يصب في سياسة الولايات المتحدة تجاه العالم العربي والإسلامي.

ولأن العرض مقارن يتناول أربعة محاور أساسية تمثل القواسم المشتركة والفواصل المميزة بين الكتب السبعة التي بين أيدينا ـوذلك وفق أسلوب المقارنة الأفقيةـ ، فإن الخطوة الأولى تتمثل في تعريف القارئ الكريم بمحتوى ومضمون كل كتاب من السبعة كتب على حدة بشكل سريع، حتى يتسنى متابعة وتحديد أهم التساؤلات والإشكاليات التي تعصف بها هذه الكتب ذهن القارئ حول أو في موضوع الديني والسياسي، ودواعي استعراضها وفق الأربعة محاور التي سيرد بيانها لاحقاً.

الجزء الأول: تعريف مختصر بمحتوى ومضمون مجموعة الكتب محل العرض:

1.    كتاب: الدين والسياسة في الولايات المتحدة، تأليف: "مايكل كوربت" و "جوليا ميتشل كوربت" (1)، وأهم ما يميز هذا الكتاب أنه ثمرة جهد مشترك للمؤلفين ـ وهما زوجان ـ الذيَّن يقدمان خلاله رؤية متخصصة في الدين وفي السياسة، فالزوج (مايكل كوربت) خبير في تدريس وطرق البحث في العلوم السياسية والرأي العام، أم الزوجة (جوليا كوربت) فهي خبيرة في مجالات بحث وتدريس الدين والدين المقارن، ومن ثم فقد خرجا لنا بكتاب يتميز باتساع وعمق المضمون مع سهولة المنهج. وقد انقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء تضم أبعاد علاقة الديني بالسياسي في الخبرة الأمريكية وهي على التوالي: البعد التاريخي مما قبل إنشاء المستعمرات الأمريكية حتى أواخر التسعينات من ق 20، والبعد القانوني الدستوري حيث أوضح سياقات إقرار التعديل الأول للدستور الأمريكي لبندي: الكنيسة الرسمية وحرية ممارسة الشعائر الدينية وما صار حولهما من جدالات، ثم الدين والرأي العام وكيف يؤثر في توجهات الرأي العام بين شرائح وفئات المجتمع الأمريكي، ثم البعد الخاص بنتائج المؤثرات الدينية على الممارسة والعملية السياسية في النظام الأمريكي. هذا فضلاً عن دراسة نظرية استهل بها الكتاب تناولت تأصيل لمفهومي الدين والسياسة وبيان الخصائص والأبعاد المختلفة بينهما فكانت أشبة بإطار نظري للكتاب (وسيرد إيضاح مختصر عن مفهوميّ الدين والسياسة وفقما وضح هذا الكتاب في المحور الأول من هذا العرض المقارن) لكن أهم ما أكد عليه الكتاب أن الترابط والتداخل بين الدين والسياسة سيظل قائماً على الرغم من تعدد أنماط العلاقة بين الدين والسياسة(2).

2.    كتاب: كيف نفهم الأصولية البروتستانتية والإيفانجليكية، للكاتب جورج م مارسدن(3) الذي يتتبع فيه تاريخ الأصولية البروتستانتية والإيفانجليكية ( وكل من هذه المفاهيم سيتم توضيحه لاحقاً خلال هذا العرض في الجزء الخاص التعريف بالمفاهيم ) عبر القرنين التاسع عشر والعشرين مؤكداً على أن تداخل الديني (الإيفانجليكي تحديداً) في السياسي يُُُعد من ثوابت النظام والمجتمع الأمريكي، ويفصل عوامل وسياقات تشكل هذا التداخل ثم كيف انتهز الأصوليون في الولايات المتحدة الفرص التاريخية ـ رغم ما لديهم من تناقضات ـ الأمر الذي مكنهم من لعب دور متنامي في أروقة السياسة الأمريكية، مع تأكيد منه على مرونة الأصوليين وقدرتهم على التعامل مع معطيات ومتغيرات العصر الحديث.(4)

3.    كتاب أصول التطرف: اليمين المسيحي في أمريكا، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات والبحوث العلمية لباحثين متخصصين في هذا المجال في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد حررت الكتاب "كيمبرلي بلاكر"(5)، ومؤلفو الكتاب ذوي توجه ليبرالي، ومن ثم فهم يقدمون رؤية لإخطار الأصولية المسيحية على النظام السياسي والمجتمع الأمريكي برمته، وذلك ببيان آثارها السلبية على كل من المكتسبات الديمقراطية الأمريكية، وعلى تشكيل وعي الأجيال الأمريكية القادمة (تأثيرات الأصولية على التربية وتعليم الأطفال) ومن قبل على وضع المرأة، ثم بنظرة أوسع أخطار الأصولية على المجتمع الأمريكي ككل وتماسكه، إذ يرى الكتاب أنها تنذر بخطر نشوب صراعات قيمية داخل المجتمع الأمريكي إذا ما تم الإفتئات على علمانية الدولة (وفق التعديل الدستوري الأول) باعتبار ذلك أمراً إلهياً (تسيس مفهوم العصمة).

4.    كتاب: مقدمة في الأصولية المسيحية في أمريكا والرئيس الذي استدعاه الله وانتخبه الشعب الأمريكي مرتين، ويتضمن الكتاب تجميع وترجمة لثلاث مقالات: الأولى من مجلة ألمانية والثانية والثالثة من مجلة "نيوزويك" الأمريكية ثم فصل أخير من إعداد الكاتب "عادل المعلم"(6) والذي يستفتح الكتاب في طبعته الثانية بمقالة من النيوزيوك التي خصصت نصف عددها الصادر في 15 نوفمبر 2004 لتحليل نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية ودور الأصولية والإيفانجليكية في الدفع الجماهيري لصالح بوش الابن الذي فاز بفارق 3 ملايين صوتاً على المرشح الديمقراطي ,أن 22% من الناخبين كان محور اهتمامهم الأساسي في الاختيار "القيم الأخلاقية"

- أما متن الكتاب فيتكون من جزئين أولهما عبارة عن ثلاثة فصول، الفصل الأول بعنوان "حروب الرحمة" وهي ترجمة لمقالة نشرت في مجلة دير شبيجل الألمانية في 17/2/2003 (قبيل الغزو الأمريكي للعراق). توضح كيف يربط "بوش الابن" وإدارته اليمينية بين المصالح القومية الأمريكية والأصولية الدينية على نحو غير مسبوق وإن كان لا يمثل خروجاً عن مسلك سابقيه من رؤساء الولايات المتحدة، إذ يرونها "بلد الله" الذي عليه مهمة "جلب السلام للعالم من خلال الحرب"، كما تتبعت السيرة الذاتية لبوش الابن مقارنة بحياة أبيه...، الفصل الثاني هو ترجمة لمقالة من مجلة "نيوزيوك" الأمريكية عدد 10/3/2003 (أيضاً قبيل العدوان) بعنوان "بوش والله" وكيف يرى نفسه مبعوث العناية الإلهية في العالم..، الفصل الثالث يمثل مقتطفات من كتاب بوش الابن: مهمة للأداء "لأحقق إرادة خالقي" وهي مذكراته التي يشرح فيها سيرته الذاتية ورؤيته لمهمته ومهمة بلاده في العالم، ثم في الجزء الثاني من الكتاب يأتي بيان موقع الأصولية الدينية المسيحية وارتباطاتها بالأصولية اليهودية وكيف يؤثران في سياسات الولايات المتحدة ورؤيتها للعالم ولمنطقة الشرق الأوسط.(7)

5.    كتاب: الكتاب المقدس والاستعمار من تأليف القس "مايكل بريور"(8) الذي يعتبر أهم ما يميز هذا الكتاب، فهو شاهد من أهلها يتكلم من منطلق المصداقية الأخلاقية والواجب المعنوي وضمير رجل دين آلي على نفسه كشف مخططات وتبريرات قوى "الاستعمار"ـ ذلك المفهوم الذي أعادته السياسة الأمريكية بثقل إلى ساحة العلاقات الدولية بعد أحدث 11/9/2001، ومن قبل ومازالت تدعم إسرائيل في استعمارها الاستيطاني لفلسطين ـ التي توظف الدين والأخلاق وفق تأويلات مزعومة للنصوص المقدسة (وخاصة العهد القديم) حول تراث الأرض التي تعبر جميعها عن أساس أيدلوجي واحد استندت إليه سياسات الاستعمار في إذلالها وإبادتها للشعوب الأصليين، مع استقراء من الكاتب لثلاث حالات استندت لتلك التأويلات الدينية المزيفة والانتقائية وهي: الاستعمار الأسباني والبرتغالي لأمريكا، الاستعمار الهولندي لجنوب أفريقيا، والاستعمار الصهيوني لفلسطين.

6.     كتاب: بلد الله: الدين في السياسة الخارجية الأمريكية، الذي يمثل ترجمة لمقال علمى نشرت في مجلة "Foreign AFFairs" عدد سبتمبر/ أكتوبر 2006، وكاتب المقال (الكتيب بعد الترجمة) هو "والتر راسيل ميد" (9) أستاذ كرسي هنري كيسنجر للسياسة الخارجية الأمريكية في مجلس العلاقات الخارجية، إذ يستجلي لنا خريطة توزيع البروتستانتية في الولايات المتحدة، وذلك باعتبارها عقيدة الأغلبية، ثم تأثيرها في السياسة الخارجية الأمريكية ورؤاهم حول مدى إمكانية قيام نظام عالمي سلمى، وكيف أفضت تغيرات هيكل توزيع القوى والتيارات الدينية في الولايات المتحدة إلى تغيرات في السياسات الأمريكية ـ لاسيما الخارجي منها  ـ حيث كلما زاد انتشار تيار ديني ما، ثقلت معه كفة الممثلين السياسيين لهذا التيار، ولعل إلقاء نظرة على توجهات سياسات الولايات المتحدة خلال الستينيات وتوجهاتها بعد عام 2000 يؤكد هذه الحقيقة الواقعة فالإيفانجليكيون – وهم طائفة من البروتستانت – ذوي التأثير الأعلى في السياسة الأمريكية بالأخص الخارجية لهم توجهات معادية للإسلام مثلاً كما يوضح الكتاب، لكنه يستدرك مؤكداً على أن طبيعة التعددية الدينية والفكرية في النظام الأمريكي فضلاً عن عدم جمود الإيفانجليكية ـ من وجهة نظره ـ كفيل " بكبح جماح خطرهم على السياسة الأمريكية ـ وبالأخص السياسية الخارجية.

7.    كتاب: صعود البروتستانتية الإيفانجليكية في أمريكا وتأثيره على العالم الإسلامي، من تأليف د/ محمد عارف وهو ماليزي عمل كأستاذ للاقتصاد السياسي في الولايات المتحدة لمدة ثلاثة عقود، ومن ثم فهو يأتينا بهذا الكتاب (10) من زاوية ووجهة نظر مراقبة وفاحصة للشأن الأمريكي موضحاً خلاله أسباب وعوامل الصعود السياسي للبروتستانتية الإيفانجليكية في الولايات المتحدة، وهو وإن كان قد بدء بحثه هذا بالعوامل والتفسيرات الاقتصادية، فإنه استكمله باحثاً في العوامل والمعطيات التاريخية والاجتماعية محاولاً تقديم تفسير متكامل حول هذا الصعود، حيث تابع تطورات الأصولية البروتستانتية الإيفانجليكية وكيف تغلغل تأثيرها وانصب على وسائل الإعلام وتربية النشئ والقضايا الاجتماعية، وكيف واجهت كل من التيارين الحداثي والليبرالي، واقتحامها المباشر للعملية السياسية منذ سبعينات القرن العشرين، وازدهار وازدياد دورها منذ توالي نجاح مرشحي الحزب الجمهوري من كارتر حتى بوش الأب ثم الابن. ثم ينتقل الكتاب لتأثير صعود البروتستانتية الإيفانجليكية هذا على العالم الإسلامي، لا سيما وأن نظرتهم للعالم الإسلامي جامدة ونمطية سلبية، شكَّلها اعتقادهم في حتمية الصراع بل والحرب مع الآخر الحضاري والديني (هرمجدون)، لكنه لا يغفل مسئولية الجانب الإسلامي في الاستجابة لهذا التأثير، كما يقدم رؤية بديلة عن رؤية الصدام الحضاري وهي "التطور الخلاق".

الجزء الثاني: العرض المقارن

إذن بعد هذا العرض التعريفي المختصر بكل من الكتب السبعة موضوع هذا العرض المقارن، يجدر بنا تحديد مجموعة من الإشكاليات والتساؤلات التي تثيرها القراءة في هذه الكتب في موضوع الديني والسياسي في الولايات المتحدة وتأثيره على العالم العربي والإسلامي وذلك على النحو التالي:

-       ما موقع الدين من السياسة الأمريكية؟ هل هو موضوع أم أداة أم محرك لها؟

-       إذا كانت الكتب التي بين أيدينا في هذا العرض ترصد ظاهرة صعود الأصولية الدينية في الولايات المتحدة، فما التفسيرات المختلفة لهذا الصعود؟ وما مآله؟ أي هل سيستمر هذا البروز وهذا الدور الكبير للدين في سياسات الولايات المتحدة؟ وما دلائل أو مؤشرات ذلك؟

-       ما تأثير هذا الصعود على السياسة الخارجية الأمريكية؟ وبالأخص تجاه العالم العربي والإسلامي؟

-       وما الفارق بين رؤى ومنطلقات هذه الكتب. فمثلاً كيف تختلف أو تتفق كلا من الرؤية الليبرالية الناقضة ( الكتاب 3 ), والرؤية الأصولية الناقدة ( الكتاب 5), ورؤية أحد المسلمين, مقارنة ببقية الكتب؟

هذه التساؤلات يمكن أن نتتبع إجابتها ونتتبع بها الكتب السبعة عبر مقارنتها وفق المحاور الأربعة التالي ذكرها:

-       أولاً: التعريف بالأصولية الدينية في الولايات المتحدة.

-       ثانياً: تأثير الدين في النظام السياسي والمجتمع الأمريكي.

-       ثالثاً: الدين والسياسة الخارجية الأمريكية.

-       رابعاً: الدين والسياسة الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي.

الهوامش:

(1)      مايكل كوربت وجوليا ميتشل كوربت، الدين والسياسة في الولايات المتحدة، ترجمة مجموعة مترجمين، ط3، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006، (510 صفحة من القطع المتوسط).

(2)      كتاب الدين والسياسة في الولايات المتحدة أضيف له ملحق خاص عن لمحات مختصرة عن الجماعات الدينية في الولايات المتحدة، والملحق تم فيه تفصيل البيان عن وضع المسلمين هناك.

(3)      جورج م.مارسدن، كيف نفهم الأصولية البروتستانتية والإيفانجليكية ترجمة نشأت جعفر، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2005، (177 صفحة من القطع المتوسط).

(4)      لكتاب كيف نفهم الأصولية..هو الآخر به ملحق مهم يوضح الطوائف المسيحية والمصطلحات المسيحية، وذلك بالاعتماد على أكثر من مصدر باللغتين العربية والإنجليزية.

(5)      كيمبرلي بلاكر (محرر)، أصول التطرف: اليمين المسيحي في أمريكا، ترجمة هبة رؤوف وتامر عبد الوهاب، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2005، (426 صفحة من القطع المتوسط).

(6)      عادل المعلم، مقدمة في الأصوليين المسيحية في أمريكا والرئيس الذي استدعاه الله وانتخبه الشعب الأمريكي مرتين ط2، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2004. (181صفحة من القطع المتوسط).

(7)      الكتاب ملحق بجدول مقتبس من كتاب: المسيح اليهودي للصحفي رضا هلال، هذا الجدول يوضح توزيع الأديان في الولايات المتحدة والمجموعات الكنسية المسيحية والبروتستانتية، ومؤشرات التدين الأمريكي في الثمانينيات والتسعينيات، وكذا قدر استهلاك الإعلام المسيحي في الولايات المتحدة.

(8)      مايكل بريرر، الكتاب المقدس والاستعمار، ترجمة: وفاء بجاوي، ومراجعة وتقديم: أحمد الشيخ، ط1، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، يوليو 2006، (211 صفحة من القطع المتوسطة).

(9)      والتر راسيل ميد، بلد الله: الدين في السياسة الخارجية الأمريكية، ترجمة حمدي عباس، ط1، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، يناير 2007، (54صفحة من القطع الصغير)

(10)  محمد عارف، صعود البروتستانتية الإيفانجليكية في أمريكا وتأثيرة على العالم الإسلامي، ترجمة: رانية خلاف، ط، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، يناير 2006، (291، صفحة من القطع المتوسط)

 


 

* أولًا التعريف بالأصولية الدينية في الولايات المتحدة : أهم المفاهيم و التطورات:

ينقسم هذا المحور إلى مستويين : أولهما تعريف بلأهم المفاهيم المتعلقة بعلاقة الدينية بالسياسي في الولايات المتحدة كما وردت في هذه المجموعة من الكتب، و ثانيهما حول تناول هذه الكتب أهم التطورات التاريخية للأصولية الدينية بالولايات المتحدة الأمريكية.

 

 (1)-حول المفاهيم الدينية المؤثرة في السياسة الأمريكية :

  تضم هذه المجموعة من  الكتب بعضًا من المفاهيم الدينية التي ارتبطت بالممارسة السياسية في النظام الأمريكي نوضحها فيما يلي مستفتحين إياها بتعريف لكل من الدين والسياسة وبيان الخصائص المشتركة بينهما وفق ما بينت الدراسة الاستهلالية النظرية ( هى بمثابة الإطار النظري لدراسة علاقة الدين والسياسة  بالأخص في الولايات المتحدة) التي وردت بكتاب الدين والسياسة في الولايات المتحدة ، للزوجان كوربت :

·       الدين:عرفا الدين على أنه:"نظام متكامل من المعتقدات ، وأسلوب حياة وشعائرومؤسسات يمكن للأفراد من خلالها أن يعطوا أو يجدوا معنى لحياتهم بالتوجه إلى – والالتزام ب – ما يعتبرونه مقدسًا أوله قيمة نهائية" ثم يقدمان شرحًا وافيًا لهذا التعريف و صلته بالعلوم الاجتماعية وز الإنسانية .

·       السياسة: مع الإقرار من "الزوجان كوربت" بتعدد تعريفات السياسة و إدراجهما بعض منها، فإنهما قد اعتمدا تعريف " ديفيد إيستون" المعروف :"تحديد السلطة لقيم المجتمع"،ليس فقط لاعتباره أكثرتعريفات السياسة شيوعًا وقبولًا، لكن أيضًا لأنه أكثرها ملائمة لهذه الدراسة ؛ إذ يقدم تعريفًا عمليًا للسياسة.

·       علاقة الدين بالسياسة :تلازمية و تداخل في الخصائص و الأدوار:   يستكمل "آل كوربت" توضيح أبعاد علاقة الدين بالسياسة ببيان أنماط العلاقة مؤكدين على عدم إمكانية تجنب التداخل بينهما بحكم طبيعة كل منهما ، و أن ذلك الترابط  التداخل سيظل قائمًا – في أي مجتمع – على الرغم من تعدد أنماط هذه العلاقة،فنمطي الفصل التام بينهماهيمنة الدولة على الدين( القمع العلماني للدين) وهيمنة الدين ( الكنيسة) على الدولة ( النموذج الثيوقراطي) كلاهما مغالٍ في الإفراط أو التفريط ، وأن نموذج النظام السياسي والمجتمع الأمريكي بعيدان كل البعد عن هذين النمطين .

أما عن أهم نقاط الاشتراك في الخصائص و الأدوار بين الدين والسياسة التي يرصدها المؤلفان : دور الدين في بناء منظومة القيم في أي مجتمع ( وهوما يتجلى بشدة في المجتمع الأمريكي ) ، أما السياسة فإنها تتيح للأفراد التعبيرعن قيمهم – التي أسهم الدين في بنائها و تكوينها بشكل كبير- و السعي إلى تفعيلها فيما يتعلق بالشأن العام ،الدين والسياسة كذلك كلاهما يعطي معنًي لحياة الأفراد ،اهتمام كل من الدين والسياسة بهيمنة السلطة على حياة الأفراد ؛ حيث إن الدين يغرس في الناس قيمًا معينة فتكون له سلطة على حياتهم ، والسياسة من جانبها تحدد القيم من حيث ما يصلح وما لايصلح القيام به في المجتمع والشأن العام وفق قرارات سلطوية ، بقول إجمالي يستشهدان بمقولة ل" تشيدستر": السياسة والدين هما بعدا التجربة الإنسانية خلال ممارستها الهادفة للسلطة ". بل وقد يصل التداخل بينهما إلى حدٍ تصبح معه القيم المحددة رسميًا داخل النظام السياسي المحدد مستمدة من الدين أو تعبيرًا عن قيم دينية في المجتمع،إضافة إلى أن القيم التي ينشئها أو يؤيدها النظام السياسي قد تتخللها أراٌء دينية ، وفي بعض الأحيان قد يوظف رجال السياسة الدين للحصول على التأييد والشرعية اللازمة .

*الأصولية : يوضح "عادل المعلم" كيف ظهر مصطلح الأصولية على يد الصحفي المحافظ  " كيرتزلي لوز" الذي كان يعمل في الجريدة المعمدانية  the Watch Examiner "  " واصفًا بها الذين كانواعلى استعداد لدخول المعركة الكبرى من أجل الأصول ،ثم زاع صيت المفهوم ليعبرعن وصف لجميع أنواع البروتستانت الأمريكين الذين على استعداد لشن حرب إكليريكية ولاهوتية ضد الحداثة في اللاهوت و ضد التغيرات الثقافية التي رحب بها الحداثيون ، وأن قوة الأصوليين قد وصلت ذروتها في عشرينيات القرن العشرين ؛بفضل تحالفها مع البروتستانت المحافظين . كما يوضح علاقاتها بالتيارات الأصولية المسيحية و تحولاتها المهمة.

    أما "مارسدن " فإنه يعرف الأصولي باعتبارأنه " إيفانجيليكي مقاتل"، الأصولية نمت من رحم الإيفانجليكية في ق 19،  كما يرى أن كلا من الإيفانجليكية والأصولية ليستا منظمتين قابلتين للتحديد وإنما بداخلهما العديد من التنويعات.

في حين فرق " ميد"، صاحب كتاب : بلد الله ...، بين الأصوليين والإيفانجليكيين . وأنه إذا كانت الأصولية تدل على نوع من البروتستانت المقاتلين ، فإن الإيفانجليكية- بحسبه- تطلق على تحالف أكبر بكثير!...

وأكد " مارسدن"  على أن الأصولية على عكس ما ينظر لها كمعادية للعقلانية ، يثق أتباعها في فلسفات التنوير.كما اعتبر أن الأصولية " نسخة من المسيحية تطابقت مع عصرها". أما الأصولية على مستواها الأدائي العملي ، ففي الوقت الذي يحسب الأصوليون في الجانب الاقتصادي على الفردية المطلقة ، فإنهم على الجانب الآخر يمثلون من خلال الكنائس الأصولية أحد أهم التجمعات عبر العرقية .  

  وأشار كتاب" بلاكر" بالأصولية إلى كلٍ من الأصوليات المسيحية (البروتستانتية والكاثوليكية) و الإسلامية ، بينما أغفل ذكرالأصولية اليهودية  ،وأكد على صعوبة وضع تعريف محدد للأصولية فضًلا عن أنه ليس من الإنصاف وضع الأصوليين المسيحيين جميعًا في سلة واحدة . وداخل هذا الكتاب تم تحديد الخصائص الرئيسة للأصولية ومنها : - الرغبة في تدريس نظامهم العقائدي بالمدارس ، - التسلطية ،- التمسك بحرفية الكتاب المقدس .  و قد فسر أسباب تنامي الأصولية في العالم بشكل عام والأصولية المسيحية  تحديدًا في الولايات المتحدة متتبعًا تطورالصحوة الدينية الكبرى ومرجعًا إياها إلى سببين أساسيين : - الفترات التي يعتصرها التغير الاجتماعي ،و – التعطش للإجابات المبسطة.                                                 

أما " ميد" فقد اعتبرأن الأصوليين والمسيحيين الليبراليين والإيفانجليكيين ما هم إلا جزء من التيارالتاريخي للبروتستانتية الأمريكية ،وأنهم جميعًا قد تأثروا بالجدل الأصولي الحداثي مع مطلع القرن العشرين . وأن الأصولية انقسمت إلى شعبتين إحداهما آثرت الانفصال عن عالم السياسة والثقافة والأخرى سعت إلى الانخراط في عالم السياسة ورأت ضرورة وجود روابط م