الديني والسياسي في الولايات

المتحدة الأمريكية: عرض مقارن لأدبيات حديثة الإصدار

 

                                                                             العرض إعداد:   

                                                                               شيماء بهاءالدين

    ماجدة إبراهيم   

*تمهيد:

قد يُظن أن علاقة الديني بالسياسي أمر قد حسمه الفكر والممارسة السياسية الإنسانية منذ زمن، بيد أن إشكالية علاقة الديني بالسياسي تظل ملتبسة وحالة و متجددة . ولعل النظام السياسي والمجتمع الأمريكي ، في بنيته وحركته وعلاقاته الداخلية والخارجية، أصدق شاهد وأوضح نموذج في هذا الصدد.

خلال هذا العرض المقارن السبعة كتب حديثه الإصدار حول الديني والسياسي في الولايات المتحدة الأمريكية تتجمع رؤى وتفسيرات مختلفة حول هذه العلاقة، لكن السمة الغالبة عليها جميعًا أن أحدًا من هذه الكتب لا ينكر البتة علاقة الديني بالسياسي.

و تؤكد الكتب السبعة على أن تأثير الديني في السياسي في الولايات المتحدة من الثوابت السياسية والاجتماعية هناك. ومن ثم نجده يؤثر على علاقاتها مع العالم العربي والإسلامي، لا سيما وأن أهم محاور رؤيتهم لنا وعنا يحكمها ، إلى حد كبير، المعاداة الكبيرة التي يكنها الأصوليون الأمريكان للعرب والمسلمين. فضلًا عن الدعم المستمر لإسرائيل وضرورة تحويل العالم إلى اعتناق المسيحية الإيفانجليكية. ومن ثم فكل ذلك يصب في سياسة الولايات المتحدة تجاه العالم العربي والإسلامي.

ولأن العرض مقارن ، فسيتناول أربعة محاور أساسية تمثل القواسم المشتركة والفواصل المميزة بين الكتب السبعة التي بين أيدينا ، وذلك وفق أسلوب المقارنة الأفقية.  و ستكون الخطوة الأولى متمثلة في تعريف القارئ الكريم بمحتوى ومضمون كل كتاب من السبعة كتب على حدة بشكل سريع ؛ حتى تتسنى له متابعة وتحديد أهم التساؤلات والإشكاليات التي تعصف بها هذه الكتب في ذهن القارئ حول أو في موضوع الديني والسياسي. ودواعي استعراضها وفق الأربعة محاور التي سيرد بيانها لاحقاً.

 

 

 

ç        الجزء التمهيدي: تعريف مختصر بمحتوى ومضمون مجموعة الكتب محل العرض:

1.    كتاب: الدين والسياسة في الولايات المتحدة، تأليف: "مايكل كوربت" و "جوليا ميتشل كوربت" ([1])، وأهم ما يميز هذا الكتاب أنه ثمرة جهد مشترك للمؤلفين ـ وهما زوجان ـ الذيَّن يقدمان خلاله رؤية متخصصة في الدين وفي السياسة، فالزوج (مايكل كوربت) خبير في تدريس وطرق البحث في العلوم السياسية والرأي العام، أم الزوجة (جوليا كوربت) فهى خبيرة في مجالات بحث وتدريس الدين والدين المقارن، ومن ثم فقد خرجا لنا بكتاب يتميز باتساع وعمق المضمون مع سهولة المنهج. وقد انقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء تضم أبعاد علاقة الديني بالسياسي في الخبرة الأمريكية وهى على التوالي: البعد التاريخي، مما قبل إنشاء المستعمرات الأمريكية حتى أواخر التسعينيات من القرن العشرين، والبعد القانوني الدستوري، حيث أوضحا سياقات إقرار التعديل الأول للدستور الأمريكي لبندي: الكنيسة الرسمية ، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وما صار حولهما من جدالات. ثم الدين والرأي العام وكيف يؤثر في توجهات الرأي العام بين شرائح وفئات المجتمع الأمريكي. ثم البعد الخاص بنتائج المؤثرات الدينية على الممارسة والعملية السياسية في النظام الأمريكي. هذا فضلًاعن دراسة نظرية اُستُهِل بها الكتاب، تناولت تأصيل لمفهومي الدين والسياسة، وبيان الخصائص والأبعاد المختلفة بينهما. فكانت أشبه بإطار نظري للكتاب (وسيرد إيضاح مختصر عن المفهومين - الدين والسياسة- وفقما وضح هذا الكتاب في المحور الأول من هذا العرض المقارن) وكان من أهم ما أكد عليه الكتاب أن الترابط والتداخل بين الدين والسياسة سيظل قائمًا على الرغم من تعدد أنماط العلاقة بين الديني والسياسي([2]).

 

2.    كتاب: كيف نفهم الأصولية البروتستانتية والإيفانجليكية، للكاتب جورج م مارسدن([3]) الذي يتتبع فيه تاريخ الأصولية البروتستانتية والإيفانجليكية ( وكل من هذه المفاهيم سيتم توضيحه لاحقًا خلال هذا العرض في الجزء الخاص بالتعريف بالمفاهيم ) عبر القرنين التاسع عشر والعشرين ، مؤكدًا على أن تداخل الديني (الإيفانجليكي تحديدًا) في السياسي يُعد من ثوابت النظام والمجتمع الأمريكي ويُفَصِل عوامل وسياقات تشكل هذا التداخل. ثم كيف انتهز الأصوليون في الولايات المتحدة الفرص التاريخية ـ رغم ما لديهم من تناقضات ـ الأمر الذي مكنهم من لعب دور متنامٍ في أروقة السياسة الأمريكية، مع تأكيد منه على مرونة الأصوليين وقدرتهم على التعامل مع معطيات ومتغيرات العصر الحديث([4]).

 

3.    كتاب أصول التطرف: اليمين المسيحي في أمريكا، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات والبحوث العلمية لباحثين متخصصين في هذا المجال في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد حررت الكتاب "كيمبرلي بلاكر"([5]). ومؤلفو الكتاب ذووا توجه ليبرالي، ومن ثم فهم يقدمون رؤية لأخطار الأصولية المسيحية على النظام السياسي والمجتمع الأمريكي برمته، وذلك ببيان آثارها السلبية على كلٍ من المكتسبات الديمقراطية الأمريكية، وعلى تشكيل وعي الأجيال الأمريكية القادمة (تأثيرات الأصولية على التربية وتعليم الأطفال) ومن قبل على وضع المرأة، ثم بنظرة أوسع أخطار الأصولية على المجتمع الأمريكي ككل و علىتماسكه. إذ يرى الكتاب أن الأصولية تنذر بخطر نشوب صراعات قيمية داخل المجتمع الأمريكي إذا ما تم الإفتئات على علمانية الدولة (وفق التعديل الدستوري الأول) باعتبار ذلك أمرًا إلهيًا (تسيس مفهوم العصمة).

 

4.    كتاب: مقدمة في الأصولية المسيحية في أمريكا والرئيس الذي استدعاه الله وانتخبه الشعب الأمريكي مرتين، استفتح الكاتب و الناشر "عادل المعلم"([6]) الطبعة الثالثة للكتاب بتقرير من "النيوزويك" التي خصصت نصف عددها الصادر في 15 نوفمبر 2004 لتحليل نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية ودور الأصولية والإيفانجليكية في الدفع الجماهيري لصالح بوش الابن الذي فاز بفارق 3 ملايين صوتًا على المرشح الديمقراطي "جون كيري" , وأن 22% من الناخبين كان محور اهتمامهم الأساسي في الاختيار "القيم الأخلاقية" .

  أما متن الكتاب فيتكون من جزئين أولهما عبارة عن ثلاثة فصول، الفصل الأول بعنوان "حروب الرحمة" وهى ترجمة لمقالة نشرت في مجلة "دير شبيجل الألمانية" في 17/2/2003 (قبيل الغزو الأمريكي للعراق). توضح كيف يربط "بوش الابن" وإدارته اليمينية بين المصالح القومية الأمريكية والأصولية الدينية على نحو غير مسبوق وإن كان لا يمثل خروجاً عن مسلك سابقيه من رؤساء الولايات المتحدة، إذ يرونها "بلد الله" ذات مهمة "جلب السلام للعالم من خلال الحرب"، كما تتبعت السيرة الذاتية لبوش الابن مقارنة بحياة أبيه...،أما الفصل الثاني هو ترجمة لمقالة من مجلة "نيوزويك" الأمريكية عدد 10/3/2003 (أيضاً قبيل العدوان) بعنوان "بوش والله" وكيف يرى نفسه مبعوث العناية الإلهية في العالم...، والفصل الثالث يمثل مقتطفات من كتاب "بوش الابن": "مهمة للأداء: "لأحقق إرادة خالقي" وهى مذكراته التي يشرح فيها سيرته الذاتية ورؤيته لمهمته ومهمة بلاده في العالم. ثم في الجزء الثاني من الكتاب يأتي بيان موقع الأصولية الدينية المسيحية وارتباطاتها بالأصولية اليهودية وكيف يؤثران في سياسات الولايات المتحدة ورؤيتها للعالم ولمنطقة الشرق الأوسط.([7])

5.    كتاب: الكتاب المقدس والاستعمار من تأليف القس "مايكل بريور"([8]) ، و المؤلف نفسه يعتبر أهم ما يميز هذا الكتاب؛ فهو شاهد من أهلها يتكلم من منطلق المصداقية الأخلاقية والواجب المعنوي وضمير رجل دين آلى على نفسه كشف مخططات وتبريرات قوى "الاستعمار"ـ ذلك المفهوم الذي أعادته السياسة الأمريكية بثقل إلى ساحة العلاقات الدولية بعد أحدث 11/9/2001، ومن قبل ومازالت تدعم إسرائيل في استعمارها الاستيطاني لفلسطين ـ التي توظف الدين والأخلاق وفق تأويلات مزعومة للنصوص المقدسة (وخاصة العهد القديم) حول تراث الأرض التي تعبر جميعها عن أساس أيدلوجي واحد استندت إليه سياسات الاستعمار في إذلالها وإبادتها للشعوب الأصليين.

        مع استقراء من الكاتب لثلاث حالات استندت لتلك التأويلات الدينية المزيفة والانتقائية وهى: الاستعمار الأسباني والبرتغالي لأمريكا ، الاستعمار الهولندي لجنوب أفريقيا، والاستعمار الصهيوني لفلسطين.

 

6  كتاب: بلد الله: الدين في السياسة الخارجية الأمريكية، الذي يمثل ترجمة لمقال نشر في مجلة "Foreign Affairs" عدد سبتمبر/ أكتوبر 2006، وكاتب المقال (الكتيب بعد الترجمة) هو "والتر راسيل ميد" ([9]) أستاذ كرسي هنري كيسنجر للسياسة الخارجية الأمريكية في مجلس العلاقات الخارجية. الذي يستجلي لنا خريطة توزيع البروتستانتية في الولايات المتحدة، وذلك باعتبارها عقيدة الأغلبية، ثم تأثيرها في السياسة الخارجية الأمريكية ورؤاهم حول مدى إمكانية قيام نظام عالمي سلمى. وكيف أفضت تغيرات هيكل توزيع القوى والتيارات الدينية في الولايات المتحدة إلى تغيرات في السياسات الأمريكية ـ لاسيما الخارجي منها  ـ حيث كلما زاد انتشار تيار ديني ما، ثقلت معه كفة الممثلين السياسيين لهذا التيار. ولعل إلقاء نظرة على توجهات سياسات الولايات المتحدة خلال الستينيات وتوجهاتها بعد عام 2000 يؤكد هذه الحقيقة الواقعة، فالإيفانجليكيون – وهم طائفة من البروتستانت ، ذووا التأثير الأعلى في السياسة الأمريكية بالأخص الخارجية –  لهم توجهات معادية للإسلام كما يوضح الكتاب، لكنه يستدرك مؤكدًا على أن طبيعة التعددية الدينية والفكرية في النظام الأمريكي فضلًا عن عدم جمود الإيفانجليكية نفسها ـ من وجهة نظره ـ كفيل بكبح جماح خطرهم على السياسة الأمريكية وبالأخص السياسية الخارجية.

7.   كتاب: صعود البروتستانتية الإيفانجليكية في أمريكا وتأثيره على العالم الإسلامي، من تأليف د/ محمد عارف وهو ماليزي عمل كأستاذ للاقتصاد السياسي في الولايات المتحدة لمدة ثلاثة عقود، ومن ثم فهو يأتينا بهذا الكتاب ([10]) من زاوية ووجهة نظر مراقبة وفاحصة للشأن الأمريكي موضحًا خلاله أسباب وعوامل الصعود السياسي للبروتستانتية الإيفانجليكية في الولايات المتحدة. وإن كان المؤلف قد بدء بحثه هذا بالعوامل والتفسيرات الاقتصادية، فإنه استكمله باحثًا في العوامل والمعطيات التاريخية والاجتماعية محاولًا تقديم تفسير متكامل حول هذا الصعود. حيث تابع تطورات الأصولية البروتستانتية الإيفانجليكية وكيف تغلغل تأثيرها وانصب على وسائل الإعلام وتربية النشئ والقضايا الاجتماعية، وكيف واجهت كل من التيارين الحداثي والليبرالي، واقتحامها المباشر للعملية السياسية منذ سبعينيات القرن العشرين، وازدهار وازدياد دورها منذ توالي نجاح مرشحي الحزب الجمهوري من "كارتر" حتى "بوش الأب" ثم الابن. ثم ينتقل الكتاب لتأثير صعود البروتستانتية الإيفانجليكية هذا على العالم الإسلامي، لا سيما وأن نظرتهم للعالم الإسلامي جامدة ونمطية سلبية، شكَّلها اعتقادهم في حتمية الصراع بل والحرب مع الآخر الحضاري والديني (هرمجدون)، لكنه لا يغفل مسئولية الجانب الإسلامي في الاستجابة لهذا التأثير، كما يقدم رؤية بديلة عن رؤية الصدام الحضاري وهى "التطور الخلاق".

 

ç                   الجزء الثاني:محاور العرض المقارن:

 

إذن بعد هذا العرض التعريفي المختصر بكل من الكتب السبعة موضوع هذا العرض المقارن، يجدر بنا تحديد مجموعة من الإشكاليات والتساؤلات التي تثيرها القراءة في هذه الكتب في موضوع الديني والسياسي في الولايات المتحدة وتأثيره على العالم العربي والإسلامي وذلك على النحو التالي:

-       ما موقع الدين من السياسة الأمريكية؟ هل هو موضوع أم أداة أم محرك لها؟

-       إذا كانت الكتب التي بين أيدينا في هذا العرض ترصد ظاهرة صعود الأصولية الدينية في الولايات المتحدة، فما التفسيرات المختلفة لهذا الصعود؟ وما مآله؟ أي هل سيستمر هذا البروز وهذا الدور الكبير للدين في سياسات الولايات المتحدة؟ وما دلائل أو مؤشرات ذلك؟

-       ما تأثير هذا الصعود على السياسة الخارجية الأمريكية؟ وبالأخص تجاه العالم العربي والإسلامي؟

-       وما الفارق بين رؤى ومنطلقات هذه الكتب؟ فعلى سبيل المثال ، كيف تختلف أو تتفق كلٌ من الرؤية الليبرالية الناقضة ( كتاب: أصول التطرف... ), والرؤية الأصولية الناقدة (كتاب: الكتاب المقدس والاستعمار), ورؤية أحد المسلمين(كتاب : صعود البروتستانتية الإيفانجليكية... ), مقارنة ببقية الكتب؟

هذه التساؤلات يمكن أن نتتبع إجابتها ونتتبع بها الكتب السبعة عبر مقارنتها وفق المحاور الأربعة التالي ذكرها:

-       أولاً: التعريف بالأصولية الدينية في الولايات المتحدة.

-       ثانياً: تأثير الدين في النظام السياسي والمجتمع الأمريكي.

-       ثالثاً: الدين والسياسة الخارجية الأمريكية.

-       رابعاً: الدين والسياسة الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي.

 

 

· أولًا التعريف بالأصولية الدينية في الولايات المتحدة : أهم المفاهيم و التطورات:

 

  ينقسم هذا المحور إلى مستويين : أولهما تعريف بلأهم المفاهيم المتعلقة بعلاقة الديني بالسياسي في الولايات المتحدة كما وردت في هذه المجموعة من الكتب، و ثانيهما حول تناول هذه الكتب أهم التطورات التاريخية للأصولية الدينية بالولايات المتحدة الأمريكية.

 

 

 (1)-حول المفاهيم الدينية المؤثرة في السياسة الأمريكية :

  تضم هذه المجموعة من  الكتب بعضًا من المفاهيم الدينية التي ارتبطت بالممارسة السياسية في النظام الأمريكي نوضحها فيما يلي مستفتحين إياها بتعريف لكلٍ من الدين والسياسة وبيان الخصائص لمشتركة بينهما وفق ما بينت الدراسة الاستهلالية النظرية (التي هى بمثابة الإطار النظري لدراسة علاقة الدين والسياسة  بالأخص في الولايات المتحدة) التي وردت بكتاب الدين والسياسة في الولايات المتحدة، "للزوجان كوربت" :

*     الدين: عرفا الدين على أنه:"نظام متكامل من المعتقدات ، وأسلوب حياة وشعائر و مؤسسات يمكن للأفراد من خلالها أن يعطوا أو يجدوا معنى لحياتهم بالتوجه إلى – والالتزام بما يعتبرونه مقدسًا أوله قيمة نهائية" ثم يقدمان شرحًا وافيًا لهذا التعريف و صلته بالعلوم الاجتماعية والإنسانية .

   السياسة: مع الإقرار من "الزوجان كوربت" بتعدد تعريفات السياسة و إدراجهما بعض منها، فإنهما قد اعتمدا تعريف " ديفيد إيستون" المعروف :"تحديد السلطة لقيم المجتمع"، ليس فقط لاعتباره أكثر تعريفات السياسة شيوعًا وقبولًا في النظام الأمريكي، لكن أيضًا لأنه أكثرها ملائمة لهذه الدراسة ؛ إذ يقدم تعريفًا عمليًا للسياسة.

*  علاقة الدين بالسياسة :تلازمية و تداخل في الخصائص و الأدوار: يستكمل "آل كوربت" توضيح أبعاد علاقة الدين بالسياسة ببيان أنماط العلاقة مؤكدين على عدم إمكانية تجنب التداخل بينهما بحكم طبيعة كل منهما، و أن ذلك الترابط و التداخل سيظل قائمًا – في أي مجتمع – على الرغم من تعدد أنماط هذه العلاقة؛ فنمطي الفصل التام بين الدين و السياسة بهيمنة الدولة على الدين ( القمع العلماني للدين) وهيمنة الدين ( الكنيسة) على الدولة ( النموذج الثيوقراطي) كلاهما مغالٍ في الإفراط أو التفريط، وأن نموذج النظام السياسي والمجتمع الأمريكي بعيدان كل البعد عن هذين النمطين .

أما عن أهم نقاط الاشتراك في الخصائص و الأدوار بين الدين والسياسة التي يرصدها المؤلفان : دور الدين في بناء منظومة القيم في أي مجتمع ( وهو ما  يتجلى بشدة في المجتمع الأمريكي ) ، أما السياسة فإنها تتيح للأفراد التعبيرعن قيمهم – التي أسهم الدين في بنائها و تكوينها بشكل كبير- و السعي إلى تفعيلها فيما يتعلق بالشأن العام ، الدين والسياسة كذلك كلاهما يعطي معنيً لحياة الأفراد. اهتمام كل من الدين والسياسة بهيمنة السلطة على حياة الأفراد ؛ حيث إن الدين يغرس في الناس قيمًا معينة فتكون له سلطة على حياتهم ، والسياسة من جانبها تحدد القيم من حيث ما يصلح وما لايصلح القيام به في المجتمع والشأن العام وفق قرارات سلطوية. بقول إجمالي يستشهدان بمقولة ل" تشيدستر": "السياسة والدين هما بعدا التجربة الإنسانية خلال ممارستها الهادفة للسلطة ". بل وقد يصل التداخل بينهما إلى حدٍ تصبح معه القيم المحددة رسميًا داخل النظام السياسي المحدد مستمدة من الدين أو تعبيرًا عن قيم دينية في المجتمع، إضافة إلى أن القيم التي ينشئها أو يؤيدها النظام السياسي قد تتخللها أراءٌ دينية ، وفي بعض الأحيان قد يوظف رجال السياسة الدين للحصول على التأييد والشرعية اللازمة .

 

*الأصولية : يوضح "عادل المعلم" كيف ظهر مصطلح الأصولية على يد الصحفي المحافظ  " كيرتزلي لوز" الذي كان يعمل في الجريدة المعمدانية  the Watch Examiner "  " واصفًا بها الذين كانوا على استعداد لدخول المعركة الكبرى من أجل الأصول ثم زاع صيت المفهوم ليعبر عن وصف لجميع أنواع البروتستانت الأمريكين الذين على استعداد  لشن "حرب إكليريكية" ولاهوتية  ضد الحداثة في اللاهوت و ضد التغيرات الثقافية التي رحب بها الحداثيون . وأن قوة الأصوليين قد وصلت ذروتها في عشرينيات القرن العشرين ؛ بفضل تحالفها مع البروتستانت المحافظين . كما يوضح علاقاتها بالتيارات الأصولية المسيحية و تحولاتها المهمة.

    أما "مارسدن " فإنه يعرف الأصولي باعتبار أنه " إيفانجيليكي مقاتل"،  و أن الأصولية نمت من رحم الإيفانجليكية في ق 19،  كما يرى أن كلًا من الإيفانجليكية والأصولية ليستا منظمتين قابلتين للتحديد وإنما بداخلهما العديد من التنويعات.